فهرس الكتاب

الصفحة 10004 من 27364

مجلة البيان - (ج 87 / ص 100)

نهاية الاستشراق القديم وبداية عهد جديد

محمد حامد الأحمري

هناك من يحبون استدبار الحوادث إذا استقبلتهم، فيقررون الغياب عن الزمان والناس والأفكار مرعوبين من الجديد، ليعيشوا في زمن معروف، ومع أقوام معروفين، وأفكار معروفة، وهم إن عادوا إلى تلك المدارس والأشخاص وجاؤوا بجديد فلا تثريب عليهم، ولكن اللوم على أولئك الذين يعيدون الهجرة إلى الماضي القريب ويريدون أن نذهب معهم مرة أخرى إلى عوالم معروفة لنا ولهم، مدروسة، مكرورة، مملولة، ثم هم لا يبدعون في رؤيتهم جديداً، ولا يمتعون عقولنا وأذواقنا بشيء، يزعمون أن جهدهم الجهد وقولهم الفصل ـ وإن كان قد دُرِسَ حتى دَرس ـ.

إن تكن طالت عليك المقدمة، فقد أودعتها جزءاً من القضية؛ لأن جمعاً من قومنا لفتوا الانتباه هذه الأيام إلى العودة لأعمال الحركة الاستشراقية فيما قبل قرن ـ يزيد أو ينقص قليلاً ـ، ويعيدون الحديث عن الأسماء نفسها، والكتب ذاتها، ويختصرون أو يشرحون كلام المعقّبين على الحركة تلك، ويقولون ما قاله عمر فروخ أو الخالدي أو العقاد أو الجندي، بل وللأسف ليس لبعض هؤلاء المتحدثين اليوم اطلاع الناقدين السابقين، ولا يملكون الوسائل اللازمة لدراسة الاستشراق، وأولها لغاته ومناهجه.

وتكتب كتب، وتعقد دراسات، وتقام ندوات... بلا جديد، ويشتغل طلاب الجامعات العربية الإسلامية في اجترار الماضي بلا زيادة.

ولم لا يسأل هؤلاء المستغرقون في الأبحاث القديمة.. لم لا يسألون أو يهتمون بحركة الاستشراق الجارية الآن، هل هناك استشراق اليوم؟! ما هو؟ وماذا فيه؟ ما قديمه وما جديده؟ ومن هم رواده؟ وماذا يريدون؟!.

وهذه هي المحاولة أو المغامرة العسيرة على عقول ومعارف كُتّابنا، بعضهم ليسوا كتاباً ولا باحثين.. إنهم قُراء قديم بلا مواهب، أفلا يكتفون بأن يكونوا قراءً وكفى!، ونعْم العمل، أمّا أن يقنعونا أنهم عرفوا ما كتب قبل خمسين عاماً أو تزيد، عرفوا الاستشراق ودرسوه، فهذا لا جديد فيه، ولا يستحق أن يقنعونا به أو يقولوا لنا إن بعض قومنا قديماً تأثروا بالاستشراق ـ أو لم يتأثروا ـ ويعيدوا علينا الاعتراضات نفسها والسياقات القديمة عينها.

كان الأولى بنا أن ندرس ظاهرة الاستشراق المعاصر، ونحددها في مستجداتها، وندرس أعمالها مباشرة، وأعمالها اليوم بخاصة ـ دون إغراق في قديمها ـ وألا نخشى من التحول إلى دراسة ما جد عندهم كما درسوا هم ما جد عندنا.

الجديد في الاستشراق:

والذي طرأ على تلك المدرسة في العقود الأخيرة تطور مهم، فإن ما يسمى استشراقاً أو مدرسة استشراقية ذات اهتمام علمي ثقافي في غالبه،وسياسي اجتماعي في بعض جوانبه ـ كما عهدناه ـ، قد انتهت كثير من تلك الجوانب ولم تعد أولوية في الاستشراق الحديث، بل تحول اليوم إلى عمل سياسي اجتماعي متخصص يهتم بمراقبة ودراسة الأوضاع السياسية والأشخاص والأحزاب والأفكار السياسية والعوامل الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية دراسة وافية، ووضع حلول لها!!.

فقد قرر المستشرقون منذ قرابة عشرين عاماً أنّ العمل العلمي الثقافي في بلاد المسلمين وتراثهم ليس بذي جدوى ولا أهمية، بل هو ضياعٌ للوقت والجهد، فليس لدى العرب والمسلمين أفكار ولا كتب ولا آداب تستحق الدراسة والجهد، والقليل الذي يحتاجون له نقلوه إلى لغاتهم ـ وبخاصة الإنجليزية ـ كتاريخ الطبري، ومقدمة ابن خلدون، ورسالة الشافعي وأعمال المتصوفة! والفلاسفة والشعراء الكبار.. ونحوها، والكتاب المعاصرون العرب ليس لديهم ما يستحق القراءة، وإذا حدث فسوف يكون عمله مترجماً بلغة غربية في زمن قياسي، والمؤلف العربي يحرص على ترجمة أعماله إلى لغات غير العربية، وهذا يسهل عمل من يتابع أفكارنا منهم، وهم يترجمون ما يحتاجونه حتى بعض الأشرطة السمعية، فلماذا يضيعون وقتاً طويلاً في دراسة الكتب الإسلامية القديمة مع معاناة مشكلة اللغة العربية؟.

لذا: اتجهوا اتجاهاً سياسياً عارماً، وقطعوا الاهتمام ـ أو أغلبهم ـ بالقضايا العلمية والفكرية إلا بمقدار ما تحقق أثراً سياسياً مباشراً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت