فهرس الكتاب

الصفحة 3551 من 27364

أكرم خير الله

بدأت أمواج العولمة واقتصاد السوق تترامى على شواطئنا وبدأت تظهر آثارهما السلبية على مجمل عالمنا العربي في كثير من النواحي الثقافية والسياسية والاقتصادية وبتسارع مطّرد، يصعب كبح نتائجه السلبية، والتي نجمت عن تردي السياسات الاقتصادية المتبعة.

لم ينتبه المسؤولون إلى حجم الآثار التي بدأت تظهر جلية ولاسيما الفقر الذي أصاب شريحة واسعة في مجتمعاتنا العربية، وكثيراً من الدول الغربية وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، وما يهمنا هنا هو دراسة واقع الفقر في سورية، مسبباته، آثاره، ووسائل القضاء ما أمكن على نتائج هذه الظاهرة المؤلمة. لاشك أن هناك مجموعة مؤثرات دولية اقتصادية وسياسية ألقت بظلالها على سياساتنا الاقتصادية، والاقتصاد له مفرداته الرقمية ومعدلاته التي يمكن تطبيقها على كل دولة بشكل يتناسب مع مقاسها، والحلول الناجعة كالدواء الشافي إن وصفه طبيب أتقن مهنته.

لم تكن الوصفات التي طبقت خلال السنوات العشر الماضية ذات أثر إيجابي، حتى أشير لها بأنها وصفات امتصاص للسيولة من الأفراد بوسائل طوعية أو إلزامية كالضرائب دون إيجاد أقنية لإعادة ضخ هذه الأرصدة في مشاريع استثمارية تعمل على معالجة البطالة وتحرك الركود الاقتصادي الناتج عن انخفاض الرواتب وزيادة تكاليف الاستهلاك الشخصي والضرائب، بل على العكس فقد دأبت الوزارات والمؤسسات على وضع ضرائب إضافية على المواطن دون تمييز، فزادت قيمة الاستهلاك الكهربائي والماء، وأضافت ضرائب النظافة وبوتائر عالية، إضافة إلى زيادة أسعار النفط بأنواعه، ورغم إعطاء الموظفين ما يوازيها إلا أنها رفعت مجمل المنتجات الصناعية والتجارية ما بدد هذه الزيادة، كما أن زيادات الرواتب المتوالية لم تتناسب مع الزيادات التي أنهكت المواطن وكانت النتائج أعباء متوالية على صدور شريحة واسعة من العاملين في الدولة والفقراء أصحاب الدخل المقطوع الذين تراجعت أحوالهم من سيء إلى أسوأ.

ومن المؤلم أنه إذا تعرض أحد هؤلاء إلى حادث أو مرض أو حتى ولادة أو زواج فإنه لا يجد ملجأ له سوى التوسل للأقرباء والأصدقاء ليسدد فاتورة مشفى أو يساعد بالقليل في زواج أحد أولاده، فإن أفلح فقد بدأت دوامة الديون لتجعله غارقاً في البحث عن وسائل وفائها، وتلك كافية لتعطيل قدراته على الإنتاج والعطاء... والمفاجآت الإضافية التي تتعرض لها هذه الشريحة تعددت ومنها أخيراً اللباس المدرسي الذي كلّف كل طالب ألف ليرة سورية كحد أدنى، لقماش سيء لن يطول استخدامه، فماذا يفعل من لديه خمسة أولاد، وراتبه لا يكاد يكفيه لسد احتياجاته الأساسية.

إن الآثار الخطرة التي يورثها الفقر تندرج تحت ظواهر سلبية تبدأ باتباع بعضهم وسائل كسب غير مشروعة، وتنمو من خلالها وسائل السرقة والنصب والاحتيال، كما تدفع بعضهم إلى تشغيل أولادهم في أعمال أقرب إلى التسول في الطرقات ما يؤدي إلى انخراطهم عفوياً مع مجموعات تستغل براءتهم، فيسلكون مسالك رفاق السوء...!!

وسوء الأحوال المعيشية في المجتمعات من أخطر الآثار التي تؤدي إلى تفشي الجريمة والرذيلة والتفكك الأسري.

إن الحضارة فرضت علينا الكثير من الكماليات والتي أصبحت من ضرورات الحياة كالسيارات وأجهزة التلفزة وتوابعها وأجهزة الهاتف السلكي والهاتف النقّال وجميعها ما يترتب عليها فواتير متنوعة (وسائل امتصاص إضافية) وبعملية حسابية بسيطة خلال عشر السنوات الماضية ارتفعت متطلبات العيش إلى 12مثلاً، بينما زاد دخل الموظف خمسة أمثال ومازالت الترفيعات والمنح والراتب العائلي المضاف دون المستوى.

إن الاختناقات المالية التي تنوء تحتها شريحة واسعة من المجتمع مرتبطة بالسياسة الاقتصادية وعلى اقتصاديينا استنباط المعادلة التي توفر الحياة الكريمة في مسار الإصلاحات البنيوية، وفي إطار اقتصاد ومالية الدولة.. لإعادة العطالة الإبداعية العمالية والإنتاجية ما أمكننا لهذه الشريحة.

ورغم كل النظريات التي تربط زيادة الراتب بالتضخم، إلا أنها ضرورة ملحة؛ لأنها تصيب العاملين في الدولة بمختلف تسمياتهم ورفع مستوى المعيشة لهم مع الرقابة الصارمة التي تخفف كثيراً من الرشوة وهي الداء القاتل لكل مجتمع تستشري به.

ولتوفير العيش الكريم بالتوازي مع زيادة الرواتب، يجب رفع وتيرة الإنفاق على المشاريع الاستثمارية وتحريك الأموال المجمدة في المصارف بقروض لذوي الدخل المحدود وتخفيف الأعباء الضريبية ونسب الفوائد في البنوك، وتشجيع القطاع العام الرابح ومنح العاملين على استنهاضه حوافز تشجيعية ومعالجة المؤسسات الخاسرة أو جعلها قطاعاً مشتركاً، كل ذلك سيرفع القدرة الشرائية وسيوفر للمواطن حياة كريمة تبعده عن التسول وتشغيل أطفاله وتغنيه عن التوسل للجمعيات الخيرية، أو الانتظار الطويل أمام الحشد الذي يزداد كل يوم أمام صندوق العافية لإجراء عملية جراحية أو صرف وصفة طبية لا يقدر على دفع فاتورتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت