قراءة في خلفيات مؤتمر المرأة ببكين
مجلة البيان - (ج 93 / ص 92)
(الحقائق والأهداف)
بقلم: د. محمد يحيى
اكتسب المؤتمر الدولي الذي عقد في بكين (*) ، تحت رعاية وإعداد الأمم المتحدة، شكلاً يشبه ـ إلى حد بعيد ـ تلك المؤتمرات التي يعقدها المجلس العالمي للكنائس الكاثوليكية كل بضع سنوات؛ للخروج بنظريات جديدة في عقيدتهم، أو لوضع سياسات تنصيرية للدعاية والترويج.
ويأتي هذا المؤتمر تتويجاً لسلسلة من المؤتمرات والاجتماعات التي رعتها الأمم المتحدة، بدءاً من عام المرأة (1975م) ، الذي أعقبه عَقْد المرأة، ثم عام الطفل، ثم عام الأسرة، وعقد الأسرة، وسارت معه بالتوازي في السنوات ذاتها مؤتمرات السكان المشهورة، التي عُقد آخرها منذ عام في القاهرة، حيث تلاقت أهداف وثيقته مع وثيقة وأهداف مؤتمر بكين، فهي حلقات متتابعة ينظمها الهدف الرئيس لهذه المؤتمرات، لذا: جاء مؤتمر بكين في جوهره تدشيناً لحركة ممتدة تعود إلى ما يزيد عن ربع قرن، وتتويجاً لها كعقيدة عالمية جديدة: هي الاتجاه النسوي المعروف بـ (الفمنزم) (**) ، وهكذا شهد العالم مولد (كنيسة) جديدة، وعقيدة وضعية تَخْلف الدين العلماني الساقط (الماركسية) وتجدد شباب الأطروحات العلمانية الغربية.
وفي عالمنا الإسلامي مازالت الصورة غير واضحة، لا يبصرها إلا القليل ممن رحم الله، وقد تشابكت في الأذهان عدة عناصر:
أ- البعض ـ وهم الكثرة ـ مازال يرى في أمثال هذه التحركات المحمومة ـ بزعم الاهتمام بالمرأة ـ استمراراً للخط القديم الذي عرف باسم (حركة المطالبة بحقوق المرأة) ، التي عرفها الشرق المسلم في مطلع القرن العشرين، وكان لها أبطالها وقديسوها، التي سارت في ركاب الحركات القومية العلمانية والمتغربة.
ولكن حركات المطالبة بحقوق المرأة تَعُدّ شيئاً مختلفاً بالنوع عن التوجه النسوي الجديد ـ وإن كان مُهّدَ له ـ ويلتقي معه في بعض الجذور الفكرية الغربية الأصل؛ ذلك لأن دعوة حقوق المرأة كانت ـ على الأقل في الظاهر ـ تدعي في العالم الإسلامي أنها تعمل في إطار القيم والأوضاع الاجتماعية القائمة؛ لتطالب بحقوقٍ للمرأة موجودة في صلب هذه القيم والتقاليد، لكنها نُسيت أو سُلبت. وفي الغرب كان الشيء نفسه؛ حيث جرت المطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل والتصويت في إطار الأوضاع القائمة (أي: المجتمع البورجوازي الرأسمالي الصناعي) .
ومن الصحيح أن هذه الحركات تطورت فيما بعد لتطالب بحقوق مزعومة ليس لها أساس في تراث مجتمعاتها، أو أنها اتخذت أشكالاً ثورية وفوضوية في التعبير والعمل، مما مهد بأثر غير منكور في ظهور اتجاه (الفمنزم) ، لكنها كانت مختلفة عن هذا الاتجاه.
أ- أما البعض الآخر ـ وهم القلة ـ فما زالوا يرون في عباب هذه الاجتماعات والتحضيرات والوثائق.. إلخ، امتداداً لما عُرف بحركة تحرير المرأة في أوائل وأواسط القرن العشرين، التي كان لها كذلك وجود وقديسون! في عالمنا الإسلامي، ولكن هنا أيضاً توجد اختلافات عن حركة (الفمنزم) المعاصرة، بعضها نوعي، والآخر مجرد اختلاف في الدرجة والتركيز، صحيح أن حركة تحرير المرأة كانت السلف المباشر للحركة النسوية العلمانية، وصحيح أنها اشتركت معها في الجذور اللادينية الصريحة، والعداء للأديان (وبالذات الإسلام في منطقتنا) ، وصحيح أنها اشتركت معها في تجاوز الأوضاع الاجتماعية والثقافية القائمة مع رفضها، وصحيح ـ كذلك ـ أنها اشتركت معها في المطالبة، ليس بحقوق معينة للمرأة، وإنما في الدعوة إلى وضع مختلف لها تماماً داخل المجتمع، مع تغيير هذا المجتمع نفسه ليتواءم مع الوضع المرتجى والمطلوب للمرأة، وصحيح ـ أخيراً ـ أنها اشتركت معها في رفض أنظمة الزواج والأسرة والقيم والتعاليم والتقاليد التي تحكمها ـ سواء في الغرب، أم في الشرق ـ داعية إلى إسقاطها، وإحلال الحب الحر ـ وغير ذلك من أشكال التحلل من القيم ـ محلها.
كل هذا صحيح، لكن حركة تحرير المرأة كانت تختلف عن عقيدة (الفمنزم) في جوانب أساسية وحاسمة؛ فلم تكن لها فلسفة فكرية تؤصل نشاطها وتسنده، كما أنها لم ترتبط بحركة عالمية تقف وراءها وتدافع عنها وتروج لها، على الرغم من أنها حاولت في وقت من الأوقات الارتباط بالشيوعية، ولا سيما في أوائل عهدها، ولأن (الفمنزم) أوجدت لنفسها فلسفة وعقيدة، ولأنها تحولت إلى حركة عالمية تتخذ من أدوات النظام العالمي أسلحة لها في حربها، فإنها قد تجاوزت إلى حد بعيد أبعاد حركة تحرير المرأة رغم أوجه الشبه والقرابة الواضحة بينهما.