فهرس الكتاب

الصفحة 9413 من 27364

جابان الكردي

لا يتورع الغرب عن استخدام كافة الأسلحة واستغلالها لتحقيق أهدافه والحصول على أعلى المكاسب المادية الاستراتيجية البعيدة المدى، بما في ذلك استغلال المشاعر الدينية لدى النصارى في المناطق التي يعيشون فيها كأقلية وخاصة في الشرق الإسلامي؛ بحيث كلما ذُكر التنصير والمنصرون جاء إلى ذهن الشرقي المسلم الاستعمار والغرب. والضحية كانت المشرقيين وخاصة النصارى الذين أصبحوا أداة بيد الغرب سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوا، وخير شاهد كما يروي لنا التاريخ هو كيفية تعاون النصارى مع الصليبيين إبان الحروب الصليبية، وفي عصرنا نلحظ دورهم في الجنوب اللبناني، وتعاونهم مع الصهاينه المحتلين.

بدأ التبشير في المشرق الإسلامي منذ قرون عديدة؛ وذلك بأساليب مباشرة أو غير مباشرة، مع ظهور الغرب باعتباره قوة على الساحة الدولية، وكانت الطلائع من المنصرين الذين شكلوا بدورهم رأس الحربة للقوات الغربية الغازية. فبدءاً من الكشوفات البرتغالية في القرن الخامس عشر الميلادي ووصولهم إلى رأس الرجاء الصالح وانتهائهم إلى الهند، كانت العملية استعمارية تماماً؛ فقد اكتشفوا أن تحصينات المسلمين كانت ضعيفة يسهل اختراقها، وصحت ظنونهم وفازوا بما أرادوا بعد ذلك. وفي الوقت نفسه انقسمت أوروبا على نفسها بين (الكاثوليكية) و (البروتستانتية) ، وانعكس ذلك على الشرق بعد ذلك بفترة؛ بحيث أفضت الصراعات إلى تدخلات أجنبية في العراق بالذات بين فرنسا الكاثوليكية وبريطانيا الإنجليكانية، وكل منهم يحلم بحشد أكثر الجماعات النصرانية تحت لوائه، ترقباً لانهيار الخلافة العثمانية، لذلك أكثروا من النشاط التنصيري.

بدأ المنصرون البروتستانت الإنجليز يظهرون في العراق منذ أوائل القرن التاسع عشر وبالذات عام 1829م، وأولهم (غروفر G r ove r ، وبعد ذلك(صمويل) ترافقه البواخر الحربية والقوات المسلحة البريطانية، والتي كانت تهدف إلى فرض السيطرة على طريق العراق المؤدي إلى الشرق الأقصى بالقوة. قال الوكيل السياسي البريطاني في الشام (باركر Ba r ka r ) في أوائل القرن التاسع عشر: إن تسهيل المواصلات بين الشرق والغرب عبر الشام، ووضع هذه المواصلات في أيدي الأوربيين تسهيلاً لنشر المسيحية في المشرقيين الأوسط والأقصى أمر ملح. فأيدت جماعات تبشيرية غربية كثيرة هذا التوجه منها جماعة (سان سيمون) .

لعدم قدرة المبشرين البريطانيين على مواجهة منافسيهم الفرنسيين فقد رحبوا بالمنصرين الأمريكيين البروتستانت، وكان هدفهم تحويل نصارى العراق، وخاصة كردستان من المذهب الكاثوليكي إلى المذهب البروتستانتي، بالإضافة إلى محاولة تنصير المسلمين. تمت هذه البعثة تحت إشراف (كرانتG r ant) ؛ والذي كان أول منصر يدخل إلى كردستان رسمياً (1) . وكان (كرانت) يعتقد أن تحويل نصارى العراق وخاصة النساطرة عن مذهبهم إلى المذهب البروتستانتي يعتبر خطوة مكملة لمجهودات البعثات التنصيرية الأمريكية في تحويل نساطرة إيران إلى البروتستانتية. وإذا ما نجحت هذه الخطة فإنهم بذلك يحرزون انتصاراً على الجهات الكاثوليكية التي تبذل جهداً مضاعفاً لتحويل هذه الجماعات المسيحية إلى المذهب الكاثوليكي.

نجح كرانتG r ant في استمالة النساطرة إلى الغرب، وبدؤوا بتوجيه الاتهامات والإهانات إلى العثمانيين والكرد الذين كانوا أمراء المنطقة، بعد أن كانوا يعيشون مع الكرد مسالمين.

بدأت المشكلات، وثار النصارى ومن ورائهم المنصرون، خاصة عندما لبى (مار شمعون) بطريرك النساطرة النداء معتمداً على العطف الأوروبي وتشجيعات (كرانت G r ant) ، فكانت النتيجة مأساة للنصارى وتدخلاً أقوى للغرب في المنطقة بحجة حماية النصارى؛ ففرنسا حملت راية الدفاع عن الكاثوليك، أما بريطانيا فادعت حماية البروتستانت، فما زادت المنطقة إلا بلبلة وآلاماً (1) .

+ الموقف العدائي التنصيري ضد الثورات الكردية التحررية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت