الشيخ محمَّد العبدة
إذا كانت العولمة تعني أنَّ العالم تحوَّل إلى قرية كونية - كما يقولون - بسبب تقدم تقنية الاتصالات، وفي عصر المعلومات والإنترنت.. وإذا كانت تعني أنَّ لا أحد يستطيع الانعزال عن المجتمعات الأخرى والحضارات الأخرى، ليؤثر ويتأثر ويأخذ ويعطي، فهذا مقبول وهو شيء طبيعي، ولكن إذا كانت العولمة تعني أن تهيمن ثقافة على ثقافة وحضارة على حضارة، وأنَّ قيم الغرب وعاداته وتقاليده يجب أن تدخل كل بيت وكل غرفة، فهذا لا نقبل به، بل نرفضه بشدة ونحاربه ونقاطعه، ولا نرضى أن يتحوَّل الإنسان إلى قطيع يأكل ويشرب ثم يذبح على مقصلة (البزنس) وتجار الفساد الذين يحاربون الدين والأخلاق ويستنفرون معاهدهم ومؤسساتهم الإعلامية للسخرية من الدين وإبطال فاعليته، وإبعاده عن التوجيه والتربية، يريدون تحويل البشرية إلى عبادة أصنام المال والشهوات، ويتحولون إلى كهنة لهذه الأصنام، يريدون تحويل الفضيلة إلى رذيلة والرذيلة إلى فضيلة، والجهل إلى معرفة والمعرفة إلى جهل.
إنَّ الغرائز في الإنسان موجودة وليست بحاجة إلى من ينفخ في جذوتها، بل بحاجة إلى من يروضها ويحفظها في حدود الفطرة التي فطر الله الناس عليها. فأي حاجة إلى القنوات الفضائية التي تثير الغرائز وتطلق عنان المناظر التي تخدش الأخلاق والطبع السليم؟!
العولمة الثقافية تريد كسر الحواجز؛ لأنَّها مرتبطة بالعولمة الاقتصادية، اقتصاد الربا وتجارة الحروب والمخدرات واحتكار المال، إنَّه اقتصاد السحت الذي يسحت جهود الناس ومصادر عيشهم من أجل أقلية مترفة، لقد فقد الإنسان الاستمتاع بالأشياء التي يشتريها وصار بحاجة إلى تبديل ما يشتريه باستمرار، وصار يكرس المشتريات وإن لم يستعمل الكثير منها.
إنَّ الوحش الاقتصادي الغربي يريد ابتلاع منتجات كل الشعوب الأخرى، وخاصة الإسلامية، ويريد تحويل البلدان الإسلامية إلى شركات عامة و (سوبر ماركت) لمنتجاتهم. إنَّ العلاقة بين الفساد الأخلاقي واقتصاد السحت علاقة واضحة، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: { لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} (المادة/63) .
المصدر http://www.lahaonline.co