فهرس الكتاب

الصفحة 6563 من 27364

مجلة البيان - (ج 130 / ص 80)

سليمان الظفيري

تمهيد:

بعد رحيل العثمانيين عن العراق وسقوطه في قبضة الاستعمار البريطاني شهد تكوين حكومة هشة على رأسها فيصل بن الحسين [1883 ـ 1933] ليكون ملكاً شكلياً على عرش العراق، وموظفاً في الحكومة البريطانية حقيقة، وقد نودي به ملكاً على العراق في 32 آب 1921م، واستمر حكم اسرته وأبنائه إلى سنة 1958م؛ حيث قامت مجزرة الهاشميين. ثم جاء العهد الجمهوري واستمر إلى الآن؛ وقد تميز هذا العهد بالانقلابات العسكرية والمجازر الدموية الرهيبة، وتخريب الأخلاق، ومحاربة الإسلام، والتآمر عليه، وقتل علمائه، وجعل الدين في زوايا ضيقة من الحياة. وهذه الفترة الطويلة التي تشمل حكم الهاشميين تحت الحراب الإنجليزية، وكذلك العهد الجمهوري بعهوده الثلاثة [القاسمي، العارفي، والتكريتي] هي مقصدي بالدولة العلمانية، وهي علمانية بكل ما تحمله الكلمة من حرب للإسلام وتحجيم لدوره؛ كما سنرى.

منزلة علماء العراق قبل العهد العلماني:

كان العلماء على العهد العثماني الإسلامي محل احترام الوالي ومساعديه، وكانوا محل المشورة والنصرة والتأييد؛ فالشيخ عبد الله السويدي (1693 ـ 1761م) ـ وهو جد الأسرة السويدية في العراق استدعاه الوالي العثماني للمناظرة الشهيرة التي رغب بها دولة الوالي مع علماء شاه إيران وهي التي دارت في مسائل بين السنة والشيعة، دان في نهايتها كبيرُ علماء الشيعة للسويدي ـ رحمه الله ـ (1) .

وقد كان العلامة محمد فيضي الزهاوي (1797 ـ 1890) والعلامة أبو الثناء الآلوسي (1217 ـ 1270م) من المقدمين عند ولاة العراق العثمانيين وهم أهل الفتيا، والقضاء، وشيوخ العلماء في ذلك الوقت، ولهم مكانة واحترام الدولة والعامة، وقد كانت العناية بالعلماء الوافدين لنشر العلم في العراق جارية وقائمة؛ فالشيخ غلام رسول الهندي (1912م) أعطي مكانة مرموقة واستمر على ذلك حتى وفاته، بل كان المتطوعون لخدمته كثراً؛ لأنه غريب لا أهل له ـ والعلاّمة الشيخ محمود شكري الآلوسي (1857 ـ 1942م) كان رسول السلطان العثماني إلى الملك عبد العزيز آل سعود خلال الحرب الأولى، والسلطان العثماني جعل بلاطه وإكرامه لمن قدم عليه من علماء العراق وغيرهم.

ولكن لما سيطر العلمانيون على أرض الرافدين قربوا المتهمين في دينهم والمنحرفين، قربوا الصوفي وقربوا المبتذل؛ حتى كان وزير الأوقاف على عهد فيصل أول رجل تخرج ابنته وتجالس الرجال وتدرس في كلية الحقوق وهي صبيحة الشيخ داود (1912 ـ 1975م) ، وقد كانت فخرية سعيد زوجة جعفر العسكري المربي للملك غازي نجل الملك فيصل تدخل لندن سافرة من غير حجاب، كاسية عارية. وكان يحظى كل من الشاعر الضال جميل صدقي الزهاوي، والشاعر العلماني محمد مهدي الجواهري بقدر عالٍ من الاحترام والتبجيل؛ بخلاف علماء السّنّة الذين أسيئت معاملتهم، ولم يتبوأ أحد منهم الوزارة في حين تولى الوزارة من الشيعة الشيخ محمد الصدر (1883 ـ 1965م) ورستم حيدر وهو من شيعة لبنان، وتولى رئاسة مجلس النواب الشيخ محمد رضا الشبيبي (1889 ـ 1965م) .

كان المخطط محبوكاً بقصد إبعاد علماء السنة من الوظائف الكبيرة، وحصرهم في وظائف الأوقاف. وقد بلغ الاستهتار درجة عالية في العهد الهاشمي بالعلماء وتهميش دورهم؛ فكم من المرات تم إغلاق جمعية الأخوة الإسلامية وسحب امتياز مجلتها وكان صاحب الامتياز محمد محمود الصواف ـ رحمه الله ـ.

أما في العهد الجمهوري فقد نال العلماء السجن والتعذيب والإعدام، فالعلاّمة أمجد الزهاوي (1882 ـ 1967م) سجنه عبد الكريم قاسم، ثم بعد ذلك ترك العراق مع الشيخ الصواف، وهكذا العلامة فؤاد الآلوسي (1321هـ ـ 1384هـ) سجنه قاسم الذي قام بحل الحزب الإسلامي وإلغائه، وإلغاء صحيفة الحياد، وصحيفة الحزب، وكذلك صحيفة السجل للأستاذ طه الفياض ـ رحمه الله تعالى ـ. وفي العهد البعثي قُتل من أعلام الحركة الإسلامية: الشيخ عبد العزيز البدري (1930 ـ 1969م) والأستاذان العسكريان: محمد فرج الجاسم، وعبد الخالق السيد عثمان، والمشايخ: محمود أبو سعدة، والشيخ تلعة، وغيرهم؛ هذا غير الذين تركوا العراق وفروا مستوطنين بلاداً أخرى، وتركوا بلادهم كالشيخ محمد محمود الصواف ـ يرحمه الله ـ.

تجميد الأوقاف الإسلامية وتحجيم المدارس الإسلامية:

أما الأوقاف الإسلامية فقد كانت تشمل عدداً كبيراً جداً من البنايات، والبساتين، والدكاكين، فالأوقاف الكيلانية أوكلت إلى آل النقيب، وهي ضخمة جداً وآل النقيب مشهورون أيام الهاشميين بالقرب منهم، ولا يعرف أن أحداً منهم من العلماء بل كان منهم شيخ الصوفية. وكانت الدولة العثمانية تحرص على أن لا تكون الأوقاف وزارة يرتقي إليها أحدٌ من غير أهل السنة؛ فيذهب شرط الواقف؛ لكن العهد العلماني غيّر إدارة الأوقاف إلى وزارة قامت بتضييع الأوقاف والإشراف على تبديد أموالها وإضاعة شرط الواقف.

كانت هذه الأوقاف مصدر تمويل المدارس الإسلامية والقائمين عليها من العلماء وغيرهم، الأمر الذي أغنى علماءنا وجعلهم بعيدين عن الحاجة إلى غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت