فهرس الكتاب

الصفحة 6564 من 27364

والقادة العلمانيون إدراكاً منهم لأهمية هذه المؤسسة ودورها في تعزيز الإسلام وعلمائه بأرض العراق قاموا أولاً بتبديد هذه الأوقاف، ثم قاموا بتحجيم المدارس، ثم كانت الخطوة الثالثة القيام بإلغائها، ومثلاً على ذلك: مدرسة الشيخ عبد العزيز بن سالم السامرائي (1917 ـ 1973م) في الفلوجة التي ما زالوا بها حتى أضعفوها وحاصروها، ثم ألغيت بعد موته ـ رحمه الله تعالى ـ وأكثر علماء المنطقة الغربية من الجيل الحاضر والجيل الماضي هم خريجو هذه المدرسة. والحلقة العلمية للعلاّمة الشيخ عبد الكريم المدرس ما زالوا خلفها حتى تهدمت وانفلّ أركانها؛ وحدثني العالم الفاضل الشيخ الأديب مصعب العزاوي ـ رحمه الله تعالى ـ قال: كنت أدرس فيها فكانوا يأتون بطلاب الأدب يجلسونهم معنا لكي يروا المقارنة بين التعليم القديم، والتعليم الجامعي الحديث، قال: فكان هؤلاء الجامعيون يأتون بالأمثلة على القواعد من الكتاب المقرر عندهم ولا يبرحونه أبداً، أما طلابنا فكانوا يمطرونهم بالأمثلة الكثيرة من القرآن الكريم والحديث والشعر، وكان أساتذتهم يتعجبون من كفاءة طلابنا العالية ومستوى طلابهم المتدني.

وهذا المعهد العلمي في سامراء الذي تخرج فيه كبار مشايخ سامراء من الأساتذة أصبح أثراً بعد عين، وقل مثل ذلك في المعهد الإسلامي في سيو أبكار، والمعهد الإسلامي في حلبجة، والمعهد الإسلامي في البصرة.

وأكبر خراب حلّ بدور العلم هو إغلاق مدرسة النجاة في الزبير التي أسسها العلاّمة المجاهد محمد الأمين الشنقيطي (1293 ـ 1332هـ) في مدينة الزبير وكانت هذه المدرسة محضن الكثير من أعلام الخليج والجزيرة العربية ولا سيما الكويت؛ لقد أغلقوها بعد موت الشيخ فصارت أطلالاً باكية.

ثم قف واسأل الحيدر خانة عن مدرسة العلاّمة الإمام محمود شكري الآلوسي وما فُعِلَ بتلك المدرسة؛ ولقد خلفه في هذا المسجد العظيم شيخ مشبوه كان يغش في الامتحان في كلية الشريعة.

واسأل أيضاً بدموع باكية أطلال مدرسة جامع مرجال حيث مكان العلاّمة الإمام نعمان خير الدين الآلوسي؛ حيث كانت مدرسته العلمية؛ لقد خربوها كلها وصرفوا الناس عنها، فقلّ العلماء وكثر الجهل، وألزموا العلماء زيادة في الإذلال بالخدمة العسكرية ـ لا ليجاهدوا عدواً ـ ولكن لينالوا من كرامتهم ويحطوا من منزلتهم ويعطلوا دورهم في التعليم والإرشاد.

لقد تخرج من هذه المدارس أعلام العراق الكبار من العلماء والأدباء وأهل الفضل بل حتى بعض العلمانيين فقد أخذ كامل الجادرجي (1897 ـ 1967م) علوم العربية وآدابها من الشيخ العلاّمة علي علاء الدين الآلوسي، والشاعر معروف الرصافي (1875 ـ 1945م) تخرج من بين يدي العلامة محمود شكري الآلوسي.

رجال اليهود والنصارى وقربهم من صناعة القرار:

على طول هذه الفترة للدولة العلمانية نهج العلمانيون طريقاً واحداً تمثل في إبعاد العلماء وتقريب من عداهم؛ حتى اليهود والنصارى؛ حيث حصلوا على ترخيص بإنشاء مدرسة الاليانس الخاصة، وكان رجال الحكم يرسلون أولادهم إليها، بل كان الملك فيصل الأول وجعفر باشا العسكري ممن يزورون هذه المدرسة ويحضرون مناسباتها ـ ومن رجال اليهود العراقيين الذين برزت أسماؤهم: (ساسون عقيل) فقد قربه الحكام آنذاك إليهم حتى صار وزيراً للمالية، ومن رجال الخارجية المشهورين (مير البصري) وهو ما زال حياً يقيم في لندن يكتب كتباً كثيرة في تراجم رجال العراق مع نبز أعيان السنة.

ومن النصارى أبرزوا القس انستاس الكرملي (1866 ـ 1947م) وكان هذا القس من العملاء المخلصين للإنجليز وقد أرسلوه بذهب ومال إلى العلاّمة محمود شكري الآلوسي لإقناعه بوظيفة الإفتاء أو القضاء في دولة الإنجليز فرفض الشيخ الذهب والوظيفة، بل ورفض مقابلة الملك فيصل الأول إلا بعد إلحاح شديد.

وهذا القس له جهود ونشاطات في التاريخ، وعلم اللغة والأدب العربي، وبصماته النصرانية واضحه في آثاره.

وقد أتيح للنصارى فتح المدارس التنصيرية، وبناء الكنائس، وتعمير مقابرهم، وفتحت لهم الأبواب إلى الوظائف الكبيرة والوصول إلى الوزارات، وليس (طارق حنا عزيز) نائب رئيس الوزراء العراقي الحالي المثال الوحيد، بل السفارات، وموقع التأثير الاقتصادي كانت لهم، وما زالت تحت سلطانهم! نسأل الله أن ينقذ العراق وأهله من ظلم وجبروت البعث وأزلامه.

الهوامش:

1)انظر المناظرة مطبوعة تحت اسم (مؤتمر النجف) مع كتاب (الخطوط العريضة) للعلاّمة محب الدين الخطيب ـ رحمه الله ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت