علي محمد مطر - إسلام أباد
21/1/1426هـ
وسائل الإعلام الغربية بدأت بتوجيه بوقها نحو بنغلاديش، وأخذت تكيل لها التهم والانتقادات بأنها دولة أصولية؛ وهي تحاول في مسعاها هذا أن تصبغ ثالث أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان بصبغة مفادها أنها أصبحت مؤهلة أكثر من غيرها لإخراج جيل حديث من عناصر التطرف الأصولي المسلح؛ فوسائل الإعلام الهندية والأمريكية تلعب دورًا يتسم بالحيوية المفرطة لإبراز هذا الجانب، وجعله السمة الأكثر التصاقًا ببنغلاديش، خصوصًا في مدة رئاسة خالدة ضياء للوزارة الحالية في دكا التي مضى أكثر من عامين في السلطة.
فمن المعلوم أن حكومة خالدة ضياء وحزبها ليسا على وئام تام مع الجارة الغربية الهند، على العكس من الروابط الحميمة القائمة بين الهند وبين حسينة واجد (رئيسة وزراء بنغلاديش السابقة) التي تترأس حزب رابطة عوامي (الشعب) ، الذي يعد أكثر ميلًا للهند، ويدعم مصالحها في المنطقة.
ويأتي الارتباط الوثيق في هذا المنحى بين وسائل الإعلام الهندية والغربية في إطار الشراكة الاستراتيجية القائمة بين الهند والولايات المتحدة، فهما البلدان الرئيسان ومعهما إسرائيل في اتباع نظرية الولايات المتحدة القائمة على توجيه الضربات الاستباقية، فلم تخفِ أبواق الدعاية الهندية القلق الرسمي مما وصفته بتنامي أنشطة التنظيمات الإسلامية المسلحة في بنغلاديش، وما يشكله ذلك من خطورة مفترضة على الأمن والاستقرار في المنطقة، ويساندها في ذلك ما انتهجته وسائل الإعلام الأمريكية من هجوم موجه ضد الدول الإسلامية، وأخذت مؤخرًا تولي بنغلاديش نوعًا من الأهمية إرضاءً لشريكتها الهند.
صحيفة النيويورك تايمز كانت من السباقين في هذا المجال فنشرت موضوعًا حول بنغلاديش في يناير الماضي، بادرت فيه للتحذير مما وصفته بالنمو غير العادي للأنشطة الإسلامية في بعض الأقاليم البنغلاديشية، وخصوصًا تلك المحاذية للحدود مع الهند، وهو الادعاء الذي يخيف طرفي الشراكة الاستراتيجية اللذان يركزان جهودهما على مواجهة حركات التطرف الإسلامي بدون أدنى اكتراث بحركات التطرف الديني الأخرى - والتي منها الهندوسي على سبيل المثال لا الحصر - والتي تفوق أي أنشطة لدى مسلمي المنطقة، باعتبار أن مجرد ممارسة المسلم لعباداته مسألة تندرج في بوتقة التطرف في نظر وسائل الإعلام الهندية والغربية، وهو اعتقاد قائم لديها على الكثير من المغالطات.
ولم يفت الصحيفة أن تحذر مما أسمته بالأنشطة الإسلامية الإرهابية التي تشهدها الأجزاء الشمالية من بنغلاديش، والتي ترى فيها امتدادًا ورافدًا للحركات الإسلامية في المنطقة، وتمضي الصحيفة لتقول: إن قرابة العشرة آلاف من الإسلاميين المتطرفين أكملوا ما وصفته من ترتيب لصفوفهم، ورفعوا راية ما أطلقوا عليه تسمية حزب"جاغراتا مسلم جاناتا"المتطرف، وزعمت الصحيفة أنهم يتجمعون في معسكرات تدريب بالقرب من الحدود الدولية مع الهند.
ادعاءات الصحيفة لم تتوقف عند هذا الحد بل استمرت كاتبته ايليسا جريسوولد في القول بأن هذا التنظيم الإسلامي مرتبط على نحو ما مع قيادات الشرطة في بنغلاديش، ويخططان معًا لإقامة جماعة إسلامية أصولية لتأخذ على عاتقها القيام بما أوحت إليه الكاتبة بأنه ثورة إسلامية - قالت: إنها ستكون عارمة -، وربما يمتد أثرها ليصل إلى الدول المجاورة فإلى التي تليها.
وربما كانت الأخبار المنسوبة إلى هذه المجموعة فيها الكثير من المبالغة حول طبيعتها، والغرض من قيامها هذا إذا كانت تنظيمات ذات توجهات إسلامية حقيقية، فالكثيرون يرون أن هذه التنظيمات قد لا تخلو من روابط مع جهات خارجية حتى وإن كان ذلك جزئيًا أو مرحليًا، حيث يجب القيام بقدر كاف من التمحيص والتدقيق في هذه طبيعة التنظيمات، ومعرفة الغرض الأساسي من تأسيسها، فمن غير المحتمل أن تسمح الولايات المتحدة وحليفتها الهند بقيام تنظيمات إسلامية حقيقية في بنغلاديش ناهيك عن أن تكون مسلحة.
ورغمًا عن المبالغة الكبيرة التي تحيط بهذه التنظيمات إلا أن حكومة خالدة ضياء تتعرض لضغوط هندية بسببها، والتي تعتقد الكثير من المصادر بأنها ربما تم تلفيق الهوية الإسلامية المتشددة وإلصاقها بها، فالآراء لا زالت متباينة حول نشأة هذه التنظيمات، وتصب الضغوط الهندية على حكومة خالدة ضياء في خانة المطالبة بقمع هذه التنظيمات، والعمل بالتالي على إثارة القلاقل والمواجهات المسلحة في بنغلاديش تهيئة لإضعاف الحكومة والحزب المناوئين للنفوذ الهندي في ذلك البلد، والإتيان بنظام يكون أكثر تساهلًا مع أطماع الهيمنة التي تحاول الهند فرضها بمختلف الأساليب على منطقة جنوب آسيا.
بل إن هناك من يرون وبدون مواربة أن الهند تقف وراء تجميع هذه التنظيمات مع بعضها البعض لاستغلال العواطف الدينية، وإحداث نوع من عدم الاستقرار بالشارع البنغلاديشي بهدف دعم المصالح الهندية في ذلك البلد، وهي المصالح التي قد تكون ضمن أشياء كثيرة مصالح اقتصادية وتجارية.