الحمد لله {الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] ، والصلاة والسلام على من بعثه الله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ، وبعد:
( احْذَرُوا هؤلاءِ الدُّعاةَ ) ، نعم والله احذروهم أشدَّ الحذر . هم دعاة !!
ولكن .. ما هيَ صفاتهم ؟ وما الذي يدعونَ إليه ؟ وكيفَ يعرضون ما عِندَهُم ؟
الجوابُ على هذهِ الأسئلة يظهَر في قول رسول ا صلى الله عليه وسلم: (( دُعاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَطَاعَهُمْ قَذَفُوهُ فِيها ) )قالوا: صِفهم لنا يا رسولَ الله ، قال: (( قومٌ مِنْ جِلْدَتِنَا ، ويَتَكَلَّمونَ بِألسِنَتِنَا ) ).
فاحذروا هؤلاء الدُّعاة ، دعاةَ الفتنة ، الذينَ يَدعُونَ الناسَ إلى النارِ { وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [البقرة: 221] ، هم يَدعونَ الناسَ إلى الشر ، لا على أنَّهُ شر ، بل يُسَمُّونَهُ بغيرِ اسمه ، كي يَزينَ في أعينِ الناس ، كما قال الشاعر:
في زخرفِ القولِ تزيينٌ لباطلهِ *** والحَقُ قَدْ يعتريهِ سُوءُ تَعبيرِ
فهم يُزيِّنونَ القبيحَ بأساليبهم وزخرفَتهِم ، ويَعرضُونَه للنَّاس عرضاً مغرياً ، بشتَّى الوسائِل ، يعرضونه في محاضراتهم ، وفي نَدواتِهم وحِواراتِهم التي تأتي عَبرَ ( القنواتِ الفضائيةِ ) وفي غيرِها ، يعرضونه في كُتُبهِم ، ويعرضونَه في صَحَافتِهم ومجلاَّتهم ، يعرِضونَه في مجالسِهم ، يعرضونه بتضليلٍ في الإعلانات ، على أغلِفةِ المجلاَّت ، يُغْرُونَ الناسَ بِه .
فلنَحْذرَ منْ هؤلاءِ ؛ لأنَّ الله تعالى حذرنا مِنهُم ، فهم أعداؤنا ، شياطينُ الإنسِ والجنِّ ، كما قال عز وجل: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْ! هِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ * أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً } [الإنعام: 114،112] .
وقَدْ ذكرَ الله تعالى في سورة التوبة بعض صفاتهم فقال: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ .. } إلى آخر الآية [التوبة: 67] . { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ } فيه دليلٌ على أنَّه يكون في الرجالِ ، ويكونُ في النساءِ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ { يُشبه بَعضُهم بعضاً في القُبْحِ والخُبثِ والشَّرِ ، يتشابهونَ في ذلكَ رِجالاً ونساءً ، لا يختلفُ بعضُهم عنْ بعضٍ ، سِيرَتُهُم واحِدةٌ ، وسَرِيرَتهم واحدةٌ ، فهم مُتشابِهونَ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ } وهو: كلُّ معصيةٍ للهِ ومخالفةٍ لشرعِ الله عز وجل ، فهم يأمرونَ بكلِ منكرٍ من قولٍ أو فعلٍ أو عملٍ ، يأمرونَ بالشركِ بالله عزَّ وجلَّ ، ويسمونَهُ بغيرِ اسمه ، يسمونه من بابِ محبةِ الصالحينَ ، فهم يَدعونَ إلى الشركِ ويُزينونه للناس .
كذلك يدعونَ إلى نَبذِ الكتابِ والسنة ، وإلى تحكيمِ القوانينِ والأنظمةِ الطاغوتية ، { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ! يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } [النساء: 61,60] .
يدعونَ إلى العُريِ وكشفِ العوراتِ ، وظهورِ الفواحشِ . يدعونَ إلى التبرجِ ، واختلاطِ النساءِ بالرجالِ ، ومشاركةُ المرأة للرجلِ في المحافلِ ، وفي النوادي ، والمؤتمراتِ ، وغير ذلك ؛ حتى تَشيعَ الفاحشةُ في الذينَ آمنوا ، فهُم يَدعونَ إلى النارِ ، والله يدعو إلى الجنَّةِ .
{ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ } ينهونَ عن التوحيدِ ، وينتَقِصونَه ، ويقولونَ: إن التوحيدَ يكفي عنهُ أنَّ الإنسانَ يكونُ مُسلِماً ظاهراً أو يدَّعي الإسلام ، فهم يُزهِّدونَ في التوحيدِ ؛ لأنهم يَنهونَ عن المعروفِ ، وأعظمُ المعروفِ هو: التوحيد ، فلا يطيقونَهُ ، ولايُطيقونَ تعليمَه ، ولا يطيقونَ جَعلهُ في مُقررات الدراسةِ والعياذُ باللهِ { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } [الزمر: 45] .