فهرس الكتاب

الصفحة 2257 من 27364

الأزمة الدعويّة: إداريّة أكثر منها منهجيّة(1/2)

د. أحمد العمير 21/8/1425

مقدمة:

اختلفت تقديرات المهتمين بالشأن الدعويّ المحلي لخطورة الأحداث المتسارعة الداخلية والخارجية، وتأثيراتها على مسيرة الدعوة ومكتسباتها التي حققتها خلال العقود الأخيرة بفضل الله ورحمته. كما تباعدت تصوّراتهم حول آليات تقليل سلبيات هذه التطورات، وطرق استثمار فرص الكسب فيها. فمنهم المكتفي بتفاؤله، ومنهم المتشائم المحبَط، وبين الطرفين مراحل وتباينات.

فأما الأول فمصيب مقصّر، ذلك أن تفاؤله سنة الأنبياء وثمرة اليقين بوعد الله، لكنه لا يوصل لشيء إذا لم تصحبه شجاعة ومبادرة ومدافعة مع تعاون وتطاوع وحسن إعداد، والتي هي سنن نبوية كذلك. فضلاً عن أن التفاؤل بلا خطط عملية ملموسة ولا حركة متنامية قد يخيّب آمال الجموع، وقد يترك انطباعاً خاطئاً بالضعف والتراجع لدى الخصوم، ويزيد من جرأتهم على المصلحين.

وأما الثاني فمخطئ معذور، وخطؤه بيّن ظاهر، غير أن تقصير"الجميع"في فهم الأزمة وإدراك مسؤوليتنا المباشرة عن بعض أجزائها، وضعف وتبعثر جهود المجاهدة والمدافعة: يبرّر له شعوره النفسي بالاستياء والإحباط الذي قلّ أن يسلم منه بشر يعيش هذه الظروف.

وأصحاب التفاؤل غير الفعّال قد يجادلون -أصلاً- في وجود الأزمة، انطلاقاً من سعة انتشار وبيان العلم الشرعي في هذا العصر، وإقبال الناس وتأثرهم برسالة الإصلاح بفضل الله ورحمته ثم بجهود الدعوة المتواصلة. وقناعتهم بأن خطط الخصوم والأعداء مهما تعاظمت وتوالت فينبغي ألا تكون مؤثرة في مسيرة الإصلاح. لكنهم يُلقون باللائمة في حدوث العوائق على تقصير الأفراد وتفريطهم أو تهوراتهم، وعلى التحولات المنهجيّة والتغيّرات عند البعض الآخر. ويطالبون فقط بالصبر والاستقامة حتى يتحقق النصر، وهنا حديثهم ينصبّ على الاستقامة الفرديّة، وليست الجماعيّة.

بينما نجد أن الطرف الآخر المستاء والمتألّم من وضع الدعوة الراهن ومستقبل المشروع الإسلاميّ بعامة، لا يختلفون مع المتفائلين في مبرّرات تفاؤلهم، لكنهم يتسائلون عن دقة وصحة القراءة المطروحة للواقع الدعويّ. فمع هذه المبشّرات وتلك الجهود والنتائج، ألا يمكن أن نكون متلبسين بأخطاء متنوعة قد تكون هي السبب الأهمّ في وقوع"الأزمة"- وهي الصّفة التي يصرّون على وصف الواقع الراهن بها -؟، وليس التفريط ولا التهور ولا التحولات المنهجيّة وحدها!. بل منهم من يرى أن هذه الأخطاء قد تكون هي التي أفضت إلى هذه التحوّلات وتلك التهوّرات وساهمت في تضخيمها وانتشارها.

وهذه المقالة تمثل محاولة لبسط رأي الشريحة المستاءة، والتي يبدو أن نسبتها آخذة في التزايد. تم جمعها من خلال الإنصات المتفهم لبعض أفرادها، والقراءة المتأملة لانتقاداتها المبثوثة على الملأ مؤخراً بعد أن كانت همساً وفي دوائر مغلقة. وسيكون دور المقالة العرض والتعليق الاستقرائي للأحداث والأفكار والمواقف والتوجهات ذات العلاقة. وهذا ليس حديثاً باسم هذه الشريحة ولا نيابة عنها - وإن كان الكاتب لا ينفي تقبّله وتبنّيه للعديد مما فيها-، لكنها محاولة لإيصال بعضٍ من ملاحظاتها الجديرة بالتداول، ودعوة للتأمل فيها، وتبادل الرأي حولها، سعياً للخروج من"الأزمة"وتسديداً للمسيرة، واحتراماً لكل صاحب رؤية لا تعدم أن يكون فيها حظٌ من الحق والصواب. فنحن أمة يسعى بحاجتها أدناها، وقد يحمل المُبلِّغون فيها الفقه إلى مَن هو أوعى وأفقه منهم، أخذاً بقوله صلى الله عليه وسلم (بلّغوا عني ولو آية، فربّ مبلَّغ أوعى من سامع، وربّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه) ، وقد يكون ذلكم في المسألة الجزئيّة أو التطبيقات الواقعيّة، ولا يلزم أن يكون على الإطلاق.

أولاً: مظاهر الأزمة:

مع الاعتراف بفضل الله ورحمته، والتحدث بنعمه الظاهرة والباطنة على رجال الدعوة في هذا البلد، لا ينبغي أن نتوقف عن تلمس ومعالجة موانع النصر الذاتية ( قل هو من عند أنفسكم) التي قد نقع فيها أفراداً وجماعات. والمعاصي الفرديّة تقف على رأس هذه الموانع، غير أن الخطأ الجماعي والتخطيطي لا يقل فداحة، إذا كان غير مبرَّرٍ ولا مستندٍ على استدلالات علميّة صحيحة، ولا على وسائل شرعيّة مطلوبة للاجتهاد الجماعي.

وهذا هو جوهر الأزمة التي نتحدث عنها، والتي امتدت لفترة ليست بالقصيرة، وفيما يلي عرض لبعض مظاهرها، مع تفصيل متفاوت بحسب ما يفرضه الغرض من عرضها.

1-تجاهل الأخطاء التاريخية:

لا يُتوقّع أبداً من أي حركة بشريّة - لا تدّعي العصمة - أن تسلم من الأخطاء. والاعتراف بالأخطاء -التي يثبت التاريخ المشاهد دورها في أزمة ما- يعتبر ركيزة هامّة في علاج أي أزمة. والمطلوب من أي حركة جادّة في التغيير والإصلاح أن تُعنى بدراسة مسيرتها وتشخيص أخطائها والعمل على تفاديها والتقليل من آثارها. ومع كل هذا، نجد أن أبرز مظاهر الأزمة لدينا يتضح في الإعراض عن دراسة الأخطاء فضلاً عن الاعتراف بها ومحاولة علاجها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت