وعلينا أن ندرك وحدة المشكلة الإنسانية التي تنبثق عن المصير المشترك الذي آل إليه وصب فيه القرن العشرون وبدأ به القرن الواحد والعشرون. إن فكرة وحدة التاريخ الإنساني في هذه المرحلة التاريخية تتطلب منا الخروج من العزلة الجغرافية السياسية والعزلة الفكرية الثقافية لنخرج بأفكارنا وثقافتنا إلى إطار عالمي نقدم فيه مساهمتنا الحضارية المتميزة القائمة على رؤية توحيدية إسلامية من أجل صالح البشرية.
كما ينبغي أن ننظر بتوازن للأشياء وللأفكار، والتخلص من الثقافة الحدية التي ترى في الغرب إما طاهر مقدس (كما هو شأن العلمانيين من أبناء المسلمين) ، وإما دنس حقير (كما هو شأن الإسلاميين من أبناء المسلمين) . ومن بين الأمور التي ينبغي التوازن في النظر إليها هي الحضارة الغربية التي تبسط هيمنتها على العالم؛ فأحكامنا على هذه الحضارة -سلباً أو إيجاباً- إنما هي ناتجة عن مطالعات مبتورة.
فأفكارنا عن الحضارة الغربية تصدر عن ذلك الحكم المبتسر، وعن تلك العلاقة السطحية -الوظيفية أو التجارية- بيننا وبينها. وهذا مرض متجذر في ذاتنا منذ قرون مضت، حينما صار الفكر الإسلامي عاجزًا عن إدراك حقيقة الظواهر، فلم يعد يرى منها سوى قشرتها، وأصبح عاجزًا عن فهم القرآن؛ فاكتفى باستظهاره، حتى إذا انهالت منتجات الحضارة الغربية على بلاده اكتفى بمعرفة فائدتها إجمالاً، دون أن يفكر في نقدها، وتفهمها، وغاب عن وعيه أنه إذا كانت الأشياء قابلة للاستعمال، فإن قيم هذه الأشياء قابلة للمناقشة.
ومن ثم وجدنا أنفسنا لا نكترث بمعرفة كيف تم إبداع الأشياء؛ بل نقنع بمعرفة طرق الحصول عليها، فاستحكم فينا ذهان السهولة، وهكذا كانت المرحلة الأولى من مراحل تجديد العالم الإسلامي، مرحلة تقتني أشكالاً دون أن تلم بروحها، فأدى هذا الوضع إلى تطور في الكم، زاد في كمية الحاجات دون أن يعمل على زيادة وسائل تحقيقها، فانتشر الغرام بكل ما هو مستحدث، وكان الأولى التفريق بين عمق الحضارة ومظاهرها السطحية