[الكاتب: محمد مصطفى المقرئ] أجل... جدير بمن كان في مثل مكانة الشيخ القرضاوي - حفظه الله وأحسن عملنا وعمله - أن يعود، بل أن يكون أسرع الناس أوبة إلى الحق، أجرأهم تصويباً لخطأ نفسه، ولا سيما إن كان هو وحده الذي تتوفر له فرصة التصحيح، أعني الفرصة السانحة والمكافئة من خلال نفس المنبر الذي جرى فيه الخطأ.
ففي ذلك إعفاء لنفسه من تبعة أن يُتبَعَ في غير صواب، ومسؤولية أن لا يضرب من نفسه القدوة والمثل، فيما يجب على من يدركه خطأ أو زلل، وأهل العلم - لا جرم - منوط بهم التعليم والتربية جميعاً.
وقديماً قالوا:"العود أحمد"، وفي خطاب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما يوصيه بالتراجع عن الخطأ، فيقول: (ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل) [1] . وهذا النصح والتبيين مني - وإن وقع متراخياً عن صدور الزلة المعنية - مقصوده: أن أصوب ما استطعت من خلال هذا المنبر الموقر، وعبر مقال واحد بزاوية فيه، على أن ذلك قد لا يكافئ برنامجاً بحجم"الشريعة والحياة"أو لا يغطي نفس مجاله ومداه... آملاً أن يصدر التصويب من الشيخ الموقر نفسه، وعبر منبر"الجزيرة"نفسه.
لقد ورد على لسان الشيخ الموقر كلام يتصل بأحكام لا مجال فيها للاجتهاد، لأنها معدودة من مسائل العقيدة، والأمر فيها نصي لا يحتمل التأويل، توقيفي لا يسوغ إعمال الرأي فيه.
وسأنقل - فيما يلي - كلام الشيخ بنصه وحرفه، قبل أن أشرع في بيان وجوه الخطأ فيه، مستعيناً بالله تعالى أن يوفقني لصياغة الرد عليه في أرق عبارة ممكنة، وأخفها وقعاً على آذان محبي الشيخ، وألطفها نزولاً على نفوسهم.
قال - غفر الله لنا وله:(نقدم عزاءنا في هذا البابا - يعني باب الفاتيكان - الذي كان له مواقف تذكر وتشكر له، ربما يعني بعض المسلمين يقول أنه لم يعتذر عن الحروب الصليبية وما جرى فيها من مآسي للمسلمين كما اعتذر لليهود وبعضهم يأخذ عليه بعض أشياء ولكن مواقف الرجل العامة وإخلاصه في نشر دينه ونشاطه حتى رغم شيخوخته وكبر سنه، فقد طاف العالم كله وزار بلاد ومنها بلاد المسلمين نفسها، فكان مخلصا لدينه وناشطا من أعظم النشطاء في نشر دعوته والإيمان برسالته وكان له مواقف سياسية يعني تُسجل له في حسناته مثل موقفه ضد الحروب بصفة عامة.
فكان الرجل رجل سلام وداعية سلام ووقف ضد الحرب على العراق ووقف أيضا ضد إقامة الجدار العازل في الأرض الفلسطينية وأدان اليهود في ذلك وله مواقف مثل هذه يعني تُذكر فتشكر... لا نستطيع إلا أن ندعو الله تعالى أن يرحمه ويثيبه بقدر ما قدَّم من خير للإنسانية وما خلف من عمل صالح أو أثر طيب ونقدم عزاءنا للمسيحيين في أنحاء العالم ولأصدقائنا في روما وأصدقائنا في جمعية سانت تيديو في روما ونسأل الله أن يعوِّض الأمة المسيحية فيه خيراً).
راجع نص كلام الشيخ مفرغاً كتابة على موقع"الجزيرة نت"نقلاً عن برنامج"الشريعة والحياة"، الأحد الموافق 3/4/2005م.
وسأكتفي - هنا - بما ورد في قوله: (لا نستطيع إلا أن ندعو الله تعالى أن يرحمه ويثيبه بقدر ما قدَّم من خير للإنسانية وما خلف من عمل صالح أو أثر طيب) !!
فهل يجوز شرعاً؛ أن ندعوا الله لمن مات على الكفر، سواء كان له دين أو لا دين له أو كان مرتداً عن دين الإسلام بالرحمة والمثوبة؟
والجواب على هذا تراه فيما يلي من خلال مسألتين:
المسألة الأولى: لا يجوز أن يدعى للكافر - الذي يموت على الكفر - بالرحمة.
ذلك أن الكافر الذي يموت على الكفر مطرود من رحمة الله، ونحن مأمورون بأن نأخذ الناس بظواهرهم، فمن مات على الكفر وجب أن يجري عليه أحكام الكفار، ومن مات على الإسلام؛ وجب أن يجري عليه أحكام أهل القبلة، ولا يسعنا أن نفترض في هؤلاء أو أولئك خلاف ما دل عليه ظاهر أمرهم.
ومطلق الرحمة لا يحق إلا في حق من مات على الإيمان... قال تعالى - والخطاب في حق المؤمنين: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ... إلى قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] ، وقال: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [النساء: 175] ، وقال: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107] ، ولم يزل دعاء المؤمنين ربهم ورجاؤهم إياه {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] ، وأيضاً ما حكاه القرآن عن أصحاب الكهف: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} [الكهف: 10] .
فالرحمة المطلقة لا حظ فيها للكافر، هذا مع سعة رحمة الله التي وإن شملت الكفار في الدنيا من بعض الوجوه لا تشملهم في الآخرة... قال تعالى: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147] .
ولذلك فإن ما أثبته القرآن من رحمة في حق عموم الناس أو في حق المشركين منهم إنما هي رحمة نسبية أو جزئية، مقيدة...
• مقيدة بالدنيا؛ كما قال تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ* وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ* إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} [يس: 41 - 44] .
• أو مقيدة بتوفير أسباب الهداية إلى الآخرة؛ كما قال تعالى: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157] ، وفرق بين رحمة توفير أسباب الهداية وبين رحمة مآل الاهتداء وعاقبته... قال تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61] ، وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} [الإسراء: 82] ، وقال تعالى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64] ، وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] ، وقال: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20] .
• أو بتخفيف العذاب عن بعضهم لمعنى مختص بذلك البعض؛ كما الحال مع أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم. أما فيما سوى ذلك فلا يناله الله برحمة...
وبهذا التقسيم نفهم قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما يرحم اللهُ من عباده الرحماءَ) [2] .
فالرحمة المذكورة في نحو هذا من النصوص هي من جهة ثبوتها في حق المؤمن غيرها في حق الكافر، أي من جهة وجوهها ومقدارها... لأنها في حق هذا الأخير مقيدة بهذه الدار، وبأحكام جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم فيها تخفيف عن المشركين ورحمة، وبأخلاق راقية في معاملتنا لهم، وبأسباب للهداية والبيان، ورفع الإصر والأغلال التي كانت عليهم، كما في قوله الله تعالى - في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .
أما رحمة الله عباده في الآخرة فالكافر مطرود منها لا ريب... ومقتضى الطرد من رحمة الله أن لا يغفر الله للمطرود وهو الذي يموت على الكفر.
ذلك أن مغفرة الذنوب مظهر من أعظم مظاهر الرحمة، بل أعظمها... قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 116] ، وقد دلت هذه الآية وسابقتها على أن من لم يتب من الشرك حتى مات عليه غير مغفور له، مقطوع بذلك غير معلق على المشيئة، وإنما يدخل في المشيئة من مات على التوحيد مع ما ألم به من ذنب دون الشرك... {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ، وقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] ، فهذه في حق العموم بشرط الإيمان، فالله يغفر الذنوب جميعها بما في ذلك الشرك إن تيب منه.
لا رحمة ولا مغفرة لم مات على الكفر:
والدعاء بالرحمة للكافر متضمن لطلب المغفرة له ولا ريب، ولا سيما إن اقترن بطلب المثوبة، وحمله على ما هو دون ذلك - كرجاء تخفيف العذاب مثلاً - بعيد، وقد جاءت الصياغة في كلام الشيخ القرضاوي مطلقة غير مقيدة، بل اقترن بها ما يتعين معه حملها على الإطلاق كما تقدم. ولو فرض - جدلاً - جواز حملها على غير ذلك لكان فيها من التلبيس والاشتباه على السامع والقارئ ما يوجب تركها واستبدال بها صياغة تسلم من الالتباس والشبهة.
والشيخ - لا ريب - يعلم أنه لا يجوز الاستغفار للكافر الذي مات عل الكفر، ولكن عبارته تضمنت هذا المعنى أو اقتضته، وإن لم يذكر ذلك بصريح لفظه.
والشيخ يعلم أن الكلام إنما يصاغ على ما يفهمه سامعه، وفي المشاهدين من يتعذر عليه استكناه المقاصد والنيات، أو حمل الكلام على غير ظاهره. ولذلك وجب التنويه إلى أن من مات على الكفر لا يغفر له، ولا يستغفر له...
قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ* وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 113، 114] .
قال الإمام الطبري - في تفسير الآية: (يقول تعالى ذكره: ما كان ينبغي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به أن يستغفروا, يقول: أن يدعوا بالمغفرة للمشركين, ولو كان المشركون الذين يستغفرون لهم أولي قربى, ذوي قرابة لهم. {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} ؛ يقول: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله وعبادة الأوثان تبين لهم أنهم من أهل النار; لأن الله قد قضى أن لا يغفر لمشرك فلا ينبغي لهم أن يسألوا ربهم أن يفعل ما قد علموا أنه لا يفعله) [3] .
وفي سبب نزول الآية روى الشيخان في صحيحيهما، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) ، فأنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} ، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56] .
فالآية على هذا ناسخة لاستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لعمه فإنه استغفر له بعد موته على ما روي في غير الصحيح. وقال الحسين بن الفضل: وهذا بعيد؛ لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة [4] .
وفي زيادة للطبري، أوردها العسقلاني في"الفتح": (قال: أي عم، إنك أعظم الناس عليَّ حقاً، وأحسنهم عندي يداً، فقل كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة) ، وفيه أنه مع عظيم ما قدم أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم لا ترجى له شفاعة إلا أن يؤمن.
وقد بوب مسلم لهذا الحديث بقوله: باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين. والدليل على أن من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم. ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل.
قال الإمام النووي رحمه الله: (وأما قول الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} ، فقال المفسرون وأهل المعاني: معناه: ما ينبغي لهم. قالوا وهو نهي) .
قال: (أما قوله عز وجل: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} [القصص: 56] ، فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج، وغيره، وهي عامة؛ فإنه لا يهدي ولا يضل إلا الله تعالى) [5] .
وقد حقق الحافظ ابن حجر رحمه الله المسألة تحقيقاً رصيناً كعادته في التدقيق والاستقصاء؛ فقال:(قوله:"فأنزل الله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} "؛ أي ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي هكذا وقع في هذه الرواية .
وروى الطبري من طريق شبل عن عمرو بن دينار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي". فقال أصحابه:"لنستغفرن لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت". وهذا فيه إشكال، لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقاً، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرر النزول .
وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال:"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل علي: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} ، وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه وفيه"نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب"، ولم يذكر نزول الآية ."
وفي رواية الطبري من هذا الوجه؛"لما قدم مكة أتى رسم قبر"ومن طريق فضيل بن مرزوق عن عطية:"لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت"، وللطبراني من طريق عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود وفيه"لما هبط من ثنية عسفان"وفيه نزول الآية في ذلك .
فهذه طرق يعضد بعضها بعضا، وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد - بعد أن شج وجهه:"رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصاً بالأحياء وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم، وهو أمر أبي طالب. ومتأخر، وهو أمر آمنة .
ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره صلى الله عليه وسلم للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب، ويشير إلى ذلك أيضا قوله في حديث الباب:"وأنزل الله في أبي طالب: {إنك لا تهدي من أحببت} ؛ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال:"سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {ما كان للنبي... الآية} ". وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه ؟ فنزلت. ومن طريق قتادة قال:"ذكرنا له أن رجالاً"فذكر نحوه ) [6] ."
ثم إن قول الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} تضمن قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم؛ فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز.
شبهة وردها:
فإن قيل: فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - يوم أحد حين كسروا رباعيته وشجوا وجهه: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ، فكيف يجتمع هذا مع منع الله تعالى رسوله والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين.
قيل له: إن ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء، والدليل عليه: ما رواه مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) ، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نبياً قبله شجه قومه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عنه بأنه قال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) .
قال الإمام القرطبي: (وهذا صريح في الحكاية عمن قبله, لا أنه قاله ابتداء عن نفسه كما ظنه بعضهم. والله أعلم. والنبي الذي حكاه: هو نوح عليه السلام) .