وقال الطاهر بن عاشور في قوله تعالى: {ما كان للنبي...} : (وجاءت صيغة النهي بطريق نفي الكون مع لام الجحود مبالغة في التنزه عن هذا الاستغفار) [7] .
وقيل: إن المراد بالاستغفار في الآية الصلاة.
قال بعضهم: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا; لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين بقوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين... الآية} ، قال عطاء بن أبي رباح: (الآية في النهي عن الصلاة على المشركين، والاستغفار هنا يراد به الصلاة) .
قلت: وحمل الآية على أن المراد بالاستغفار الصلاة لا ينفي دلالة ما سواها من الأدلة على حرمة الاستغفار للكافر.
وللآية جواب ثالث أورده الإمام القرطبي: وهو أن الاستغفار للأحياء جائز; لأنه مرجو إيمانهم ويمكن تألفهم بالقول الجميل وترغيبهم في الدين. وقد قال كثير من العلماء: لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيين. فأما من مات فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعى له.
قال ابن عباس: (كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت؛ فأمسكوا عن الاستغفار، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا) [8] .
ثم قال تعالى - بعد هاتين الآيتين: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115] .
قال ابن جرير: (يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذا رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله حتى يتقدم إليكم بالنهي عه فتتركوا. فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا فيه إلى ما نهاكم عنه فإنه لا يحكم عليكم بالضلال؛ فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعاً أو عاصياً فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه) [9] .
وقال الحافظ ابن كثير: (يقول تعالى - مخبراً عن نفسه الكريمة وحكمه العادل - إنه لا يضل قوماً إلا بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة كما قال تعالى: {فأما ثمود فهديناهم... الآية} ، وقال مجاهد في قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم... الآية} ، قال: بيان الله عز وجل للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه لهم في معصيته وطاعته عامة فافعلوا أو ذروا) [10] .
وقال الطاهر بن هاشور: (وفيه تسجيل أيضاً لكون أولئك المشركين أحرياء بقطع الاستغفار لهم لأن أنبياء الله ما قطعوه عنهم إلا بعد أن أمهلوهم ووعدوهم وبينوا لهم وأعانوهم بالدعاء لهم فما زادهم ذلك إلا طغياناً) [11] .
المسألة الثانية: لا يجوز أن يدعى للكافر - الذي يموت على الكفر - بالمثوبة.
أما الدعاء لمن مات على الكفر بالمثوبة فلا يصح ولا يستقيم، ذلك أن الكافر لا مثوبة له في الآخرة... قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16] ، وقال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20] .
وقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على آراء [12] :
فقيل: نزلت في الكفار; قاله الضحاك, واختاره النحاس; بدليل الآية التي بعدها {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود: 16] . أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا, بصحة الجسم, وكثرة الرزق, لكن لا حسنة له في الآخرة.
وقيل: المراد بالآية المؤمنون; أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم يُنقَص شيئاً في الدنيا, وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا, وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) ، فالعبد إنما يعطى على وجه قصده, وبحكم ضميره; وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة.
وقيل: هو لأهل الرياء; وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء: (صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك) ، ثم قال: (إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار) ، رواه أبو هريرة, ثم بكى بكاء شديداً، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} ، وقرأ الآيتين [خرجه مسلم في"صحيحه"بمعناه، والترمذي أيضاً] .
وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى, كان معه أصل إيمان أو لم يكن; قاله مجاهد وميمون بن مهران, وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: ليس أحد يعمل حسنة إلا وُفّيَ ثوابَها; فإن كان مسلماً مخلصاً وُفّيَ فِي الدنيا والآخرة, وإن كان كافراً وُفّيَ في الدنيا. وقيل: من كان يريد"الدنيا"بغزوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وُفِّيَهَا, أي وُفِّيَ أجرَ الغزاة ولم ينقص منها; وهذا خصوص والصحيح العموم.
وحكى ابن الجوزي هذه الآراء الأربعة في تفسيره مختصرة [13] .
وأورد ابن كثير نحوها، وإن كان يميل إلى أن الآية في أهل الرياء عامة، فإنه لا ثواب لهم في الآخرة [14] .
وكذلك أوردها ابن العربي، وقال: (أخبر الله سبحانه أن من يريد الدنيا يعطى ثواب عمله فيها، ولا يبخس منه شيئا. واختلف بعد ذلك في وجه التوفية؛ فقيل في ذلك صحة بدنه أو إدرار رزقه) .
قال سعيد بن جبير: (أعطوا ثواب ما عملوا من خير في الدنيا. وقال مجاهد:(من عمل عملاً من صلة، أو صدقة، لا يريد بت وجه الله، أعطاه الله ثواب ذلك في الدنيا، ويدرأ به عنه في الدنيا) [15] .
فتقرر - على آرائهم جميعاً: أن لا ثواب للكافر في الآخرة.
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة; وكذلك الآية التي في"الشورى": (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها... الآية [الشورى: 20] ، وكذلك: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} [آل عمران: 145] [16] .
ومن ذهب إلى هذا قيد هذه الآيات بآية الإسراء؛ {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} [الإسراء: 18] ، كما نقله من سبق ذكر أقوالهم.
وبوب الإمام مسلم في"صحيحه": باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل.
وأورد تحته: عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين. فهل ذاك نافعه؟ قال: (لا ينفعه. إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) [17] .
قال الإمام النووي:(أي لم يكن مصدقاً بالبعث، ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم أشد عذاباً من بعض بحسب جرائمهم. هذا آخر كلام القاضي.
وذكر الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي - في كتابه"البعث والنشور"- نحو هذا عن بعض أهل العلم والنظر، قال البيهقي: وقد يجوز أن يكون حديث ابن جدعان وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر ورد في أنه لا يكون لها موقع التخلص من النار وإدخال الجنة، ولكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات) [18] .
وفي إحباط عمل الكافر - إن مات على الكفر - نصوص كثيرة... منها: قول الله تعالى: {ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] .
فهذا شرط - كما يقوله ابن كثير [19] - والتوحيد شرط كذلك في قبول الأعمال وسلامتها من البطلان والإحباط.
وقال الإمام القرطبي - في تفسير الآية: (أي لو عبدوا غيري لحبطت أعمالهم) [20] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] .
قال ابن كثير في التفسير: (هذه كقوله تعالى؛ {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} ) [21] .
قال القاضي ابن العربي: (هذا وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فقد قيل: إن المراد بذلك أمته، وكيفما تردد الأمر فإنه بيان أن الكفر يحبط العمل كيف كان، ولا يعني به الكفر الأصلي؛ لأنه لم يكن فيه عمل يحبط، وإنما يعني به أن الكفر يحبط العمل الذي كان مع الإيمان؛ إذ لا عمل إلا بعد أصل الإيمان، فالإيمان معنى يكون به المحل أصلا للعمل لا شرطا في صحة العمل، كما تخيله الشافعية؛ لأن الأصل لا يكون شرطا للفرع؛ إذ الشروط أتباع فلا تصير مقصودة؛ إذ فيه قلب الحال وعكس الشيء، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} ) .
وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} [الفرقان: 23] .
قال ابن كثير: (هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من الخير والشر فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة لشرع الله فكل عمل لا يكون خالصاً وعلى الشريعة المرضية فهو باطل فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ) [22] .
وقال الإمام القرطبي: ( {وقدمنا} : قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله المجرمون من عمل بر عند أنفسهم، {فجعلناه هباء منثوراً} : أي لا ينتفع به; أي أبطلناه بالكفر) .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 147] .
قال ابن كثير: (أي من فعل منهم ذلك واستمر عليه إلى الممات حبط عمله) [23] .
وقال الطاهر بن عاشور - في تفسير هذه الآية: (لا تخلوا جماعة المتكبرين من فريق قليل يتخذ سبيل الرشد عن حلم وحب للمحمدة، وهم بعض سادة المشركين وعظماؤهم في كل عصر، كانوا قد يحسب السامع أنْ ستنفعهم أعمالهم، أزيل هذا التوهم بأن أعمالهم لا تنفعهم مع التكذيب بآيات الله ولقاء الآخرة، وأشير إلى أن التكذيب هو سبب حبط أعمالهم بتعريفهم بطريق الموصولية - أي الذين - دون الإضمار) [24] .
ونحو ذلك من الآيات كثير...