فهرس الكتاب

الصفحة 8014 من 27364

دور الرسالة الإعلامية في توحيد المسلمين حول قضاياهم الكبرى

(فلسطين نموذجاً)

نزار محمد عثمان*

أولاً: العولمة والتحدي الإعلامي:

مدخل:

يتميز عصرنا الذي نعيشه عصر العولمة بسقوط الحدود الزمانية والمكانية، وتلاشي المسافات؛ حيث تحول العالم إلى قرية صغيرة أصبحت فيها العلاقات البشرية أكثر تنظيمًا وسرعة، الأمر الذي أدى إلى مزيد من التفاعل البشري والانفتاح الثقافي والتنازع الحضاري.

كما يتميز بالتطور الهائل في تكنولوجيا الانتقال والاتصال، حيث وصل الإنسان إلى القمر، وأرسل أجهزة إلى المريخ جمعت صوراً لسطحه وعينات من تربته، واخترعت أدوات جديدة للتواصل بين أعداد أكبر من الناس كما في شبكة الإنترنت، والأقمار الصناعية والمحطات الفضائية، التي أصبح الانسان قادراً عبرها على أن يرى ويسمع ما يدور في أرجاء العالم.

هذه الثورة التقنية العلمية الهائلة، نسبة لميلادها وتطورها في كنف الحضارة الغربية أفرزت تحديات كبيرة على كافة الأصعدة ـ خاصة الصعيد الإعلامي ـ حيث أصبح الإعلام العالمي أداة فعالة للنظام العالمي الجديد تعمل على تمكينه من بسط سيطرته، ونشر حضارته، والعمل على تشكيل العالم وفق الطريقة التي يريد، عبر إحكام السيطرة على المؤسسات الدولية وأجهزة الإعلام العالمية من صحف وإذاعات وقنوات فضائية ونحوه.

دور الرسالة الإعلامية الغربية في إضعاف الوحدة الإسلامية:

لعله بات من مكرور القول ترديد أن المسيطرين على الإعلام العالمي اليوم ـ على اختلاف منابره ـ يسعون بكل ما أوتوا من قوة لإبقاء الأمة الإسلامية في حالة الضعف والضياع والانقسام التي تعيشها، كما يسعون لإجهاض كل محاولة لتوحيد الأمة عبر مخطط إعلامي متكامل يراعي الجودة في خطوات العملية الإعلامية فيهتم بالمرسِل والمستقبِل كما لا يهمل الرسالة ولا وسيلة إيصالها. فنجده في اهتمامه بالرسالة يراعي أن تحقق مقاصده وتوافق مخطاطته، ويتفنن في محاولة إخراجها في قالب محايد تارة وقالب منحاز تارة أخرى، وفي كل الأحوال تبقى الرسالة الإعلامية العالمية متسمة بالأتي:

-التضليل وإلباس الحق ثوب الباطل، وإظهار الجاني بمظهر الضحية، والعكس صحيح؛ ومن ذلك ما يشاع من ربط الإسلام بالإرهاب، وما يبث ويتناقل من حب اليهود للسلام!.

-البعد عن الدقة والعلمية عند الحديث عن المسلمين فتجدهم يروِّجون لممارسة حكومة السودان للرق في الجنوب، والتطهير العرقي في دارفور ونحو ذلك.

-التطفيف، وازدواجية المعايير، وسياسة الكيل بمكيالين، إذ يعتبر الإعلام العالمي الحركتين الإنفصاليتين في أندونسيا وجنوب السودان حركات تحررية مشروعة بينما حركتي المجاهدين في كشمير وحنوب الفلبين حركات إرهابية غير مشروعة (1) .

-الانحياز التام ضد الفكرة الإسلامية الصحيحة، والسعي الدؤوب لزرع بذور التفرقة بين المسلمين، هذا الكيد الذي لم ينقطع منذ أيام عبد الله بن أبي بن سلول، مروراً بكتاب الوزير الروماني (ت. ج. دجوفارا) ، الذي ظهرت طبعته الأولى باللغة الفرنسية عام 1914م، بتقديم لويس رينو الأستاذ في كلية الحقوق وكلية العلوم السياسية، عن مدى جدّية الأوروبيين واهتمامهم بالقضاء على وحدة الأمة الإسلامية، في ظل كيان الدولة العثمانية. وعنوان الكتاب (( مائة مشروع لتقسيم تركيا ) )، بالاعتماد على أوراق وأراشيف وزارات خارجية الدول الأوربية، وتبلغ صفحات الكتاب 650 صفحة من القطع المتوسط (2) ، مروراً بالترويج لاتفاقيات سايكس بيكو، وسان ريمو، واتفاقيات باريس، والتي قُسمت بموجبها البلاد العربية والإسلامية إلى مناطق نفوذ واستعمار بين الدول الأوربية إلى تصريحات المستشرق اليهودي المعاصر (برنارد لويس) التي يقول فيها: (( إن المنطقة الممتدة من باكستان حتى المغرب ستبقى في حالة اضطراب إلى أن يعاد النظر في الخريطة السياسية لدولها ) ) (3) والتي ظهرت آثارها الآن في كشمير والسودان وغيرها من دول العالم.

لماذا الرسالة الإعلامية؟ ولماذا فلسطين نموذجاً؟

العملية الإعلامية متعددة المحاور، مختلفة الجوانب، كثيرة التفاصيل غير أنه يمكن أن نميّز فيها أربعة عناصر رئيسة هي: المرسل، المستقبل، الرسالة، وسيلة إيصال الرسالة، وكل عنصر من هذه العناصر تحته فروع كثيرة، ودراسة دور الإعلام في وحدة المسلمين يتطلب أن لا نهمل أحد هذه العناصر، الأمر الذي يؤدي إلى إطالة قد لا تتناسب مع الموجهات المقررة لهذه الورقة، لذلك وقع الاختيار على أهم مكونات العملية الإعلامية: الرسالة الإعلامية دون سواها.

من جانب آخر فإن موضوع وحدة المسلمين من"أمهات الموضوعات"التي تحوي معالم عديدة، وشعباً كثيرة، رأينا أن نلجها من مدخل قضايا المسلمين الكبرى التي لا تختلف فيها الآراء ولا تتعدد حولها التوجهات، فاختيرت فلسطين نموذجاً، لأنّ قضية فلسطين تقع في وجدان كل مسلم يشعر بانتمائه لهذه الأمة وينبض قلبه بالإيمان الصادق ويجيش صدره بعزة الإسلام، ذلك أن فلسطين تحوي القدس التي لها مكانتها الدينية المرموقة التي اتفق عليها المسلمون بجميع طوائفهم ومذاهبهم وتوجهاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت