فالقدس هي القبلة الأولى التي توجه إليها الرسو صلى الله عليه وسلم وأصحابه منذ أن فرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج في السنة العاشرة للبعثة قبل الهجرة بثلاث سنوات وظلت القدس قبلة المسلمين بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة ستة عشر شهراً حتى نزل القرآن يأمرهم بالتوجه إلى الكعبة قال تعالى: (و من حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (4) .
كما أنّ القدس هي منتهى الإسراء ومنطلق المعراج إلى السماء وفيها أمّ الرسو صلى الله عليه وسلم الأنبياء في المسجد الأقصى ـ على أرجح الأقوال ـ وفي ذلك دليل على ختم الإسلام للنبوات وشموله للرسالات السماوية السابقة، وبدء الإسراء من المسجد الحرام وانتهاؤه بالمسجد الأقصى فيه ربط للمسجدين لن يزول مهما فعل اليهود، يقول سبحانه وتعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) (5) ، ثم إن المسجد الحرام هو ثالث الحرمين الشريفين: الأول هو المسجد الحرام في مكة، والثاني هو المسجد النبوي في المدينة، وثالثهما هو المسجد الأقصى في القدس قال صلى الله عليه وسلم (( لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ) ) (6) .
والقدس قبل هذا كله أرض النبيين ودار المرسلين ومأوى الصالحين،أرض المحشر والمنشر، مُهَاجر الخليل إبراهيم، وديار أيوب ومحراب داود، وعجائب سليمان ومهد عيسى عليهم جميعاً السلام.. أرض البركة التي وصفها الله بأنها مباركة في خمسة مواضع في القرآن (7) هي:
-قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..) (8) .
-قوله تعالى: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) (9) .
-قوله تعالى: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا..) (10) .
-قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها) (11) .
-قوله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير..) (12) .
إن القدس في الاعتقاد الإسلامي سامية المكانة، عالية المنزلة، عزيزة الحمى.. لذلك اختيرت في هذه الورقة لتمثل قضايا المسلمين الكبرى.
ثانياً: الرسالة الإعلامية وتوحيد المسلمين حول قضاياهم الكبرى:
وفقاً لما يراه عدد من المختصين (13) يمكن أن يلعب الإعلام دوراً كبيراً في توحيد المسلمين حول قضاياهم المصيرية ـ والنموذج المختار هنا هو قضية فلسطين ـ وذلك عبر السعي لإحداث تغيير إيجابي في:
-الجانب المعرفي
-المواقف والاتجاهات
-التنشئة الاجتماعية
وسنفرد هذه المحاور بشيء من التفصيل:
(أ) دور الرسالة الإعلامية في التغيير المعرفي:
في ظل واقع التشتت العربي والتفرق الإسلامي والاستكبار الأمريكي والتجاهل العالمي يمكن للإعلاميين أن يقوموا بدور كبير في إحداث تغيير معرفي يهدف لجمع الصف وتوحيد الكلمة حول:
(1) التصور الصحيح للوحدة الإسلامية:
ويتشكل هذا التصورفي عدة نقاط أهمها:
1.الروابط الاجتماعية بين البشر كثيرة، جمعها قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبييله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) (14) فحوت الآية: الرابطة العائلية،والرابطة القومية، ورابطة الإقامة (الوطن) ، ورابطة المصلحة، والرابطة الاسلامية، وبيَّنت أن الرابطة العقدية هي التي ينبغي أن يقدمها المسلمون في فلسطين وغيرها، ويبذلوا في سبيلها الغالي والمرتخص وإلا فلنتربص حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.