فهرس الكتاب

الصفحة 24388 من 27364

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول ا صلى الله عليه وسلم وبعد:

تنتشرفي هذه الأيام على ألسنة كثير من الناس كلمات (حوار الحضارات) و (صدام الحضارات) وهذه الكلمات يختلف مدلولها حسب قائلها، وكلا الكلمتين عند الغرب يعني الهيمنة الغربية المطلقة على العالم، ولكن هل يأتي هذا بالتدرج وهو ما يسمونه (حواراً) أو بالقوة المسلحة وهو ما يسمونه (صداماً) وأما في أوساط المسلمين فمعظم الكتاب والمفكريين حتى الإسلاميين يرون أن أسمى مايمكن الوصول إليه مع القوة الغربية الغاشمة هو السماح لبلاد المسلمين بقدر من التميز لا سيما في مجال الأخلاق وعدم مطالبتهم بأن يندمجوا تماماً في ثقافة العري والإباحية والشذوذ وغيرها وهم يسمون ذلك (حواراً) وغني عن الذكر أن هؤلاء يفرون تماماً من فكرة الصدام التي يرون أنها لا تخدم مصالح المسلمين.

ومما ينبغي ان ينتبه له أن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأن الرسو صلى الله عليه وسلم -كغيره من الأنبياء - هو الذي صادم عقائد قوم وطرقهم في الحياة ليخرجهم من الظلمات إلى النور وأن الله تعالى قد أمره بأن يدعوا إلى سبيله بالحكمة والبيان أولاً ليحى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، ثم بالسيف والسنان لمن أصر على العناد وذلك عند وجود القدرة على ذلك.

وعدم وجود القدرة على المواجهة بالسيف والسنان لا يعني أبداً أن يغير المسلم دعوته أو أن يداهن المشركين وقد أنزل الله تعالى على رسول صلى الله عليه وسلم وهو بعد مازال مستضعفاً قوله: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (القلم:9) .

إذن فنحن ندعوا إلى حوار مع كل الأديان نبين لهم من خلاله الحق من الباطل وندعوهم أن يخرجوا من جور الأديان إلى عدل الإسلام. نحن ندعو إلى حوار نصادم فيه باطلهم بالحق الذي معنا.

ومن مواقف التاريخ الرائعة التي اشتملت على حوار حضاري بليغ معركة القادسية، التي سبقها حوار بين وفد المسلمين وبين كسرى، ثم تلاه حوار بين (ربعي بن عامر) رضي الله عنه وبين القائد رستم أبرز قواد كسرى، ومما يزيد من روعة هذا الحوار أنه كان بين يدي معركة فاصلة نصر الله فيها المسلمين على عدوهم نصراً عزيزاً مؤزراً.

وستلحظ أخي الكريم ،

أن هذه الحوارات الناطقة، تخللتها حوارات أخرى صامتة رستم يخرج في زينته ويفرش نمارقه وبسطه وربعي رضي الله عنه يخرقها له برمحه ويدخل عليه بدابته، وغيرها من الحوارات التي لعلها كانت أبلغ من الحوارات الناطقة.

لقد كانت مفردات الحوار هي هي التي تكون بين حضارات الإسلام حضارات التوحيد والعبودية لله والطهارة والنقاء، وبين حضارات الكفر على اختلاف أنواعها فرساً كانوا أو روماً، شرقاً كانوا أو غرباً، فإنهم لا يعرفون إلا لغة الملك والجاه والسيادة، واستعباد البشر بعضهم لبعض، ولا يجيدون إلا لغة المفاوضات الدنيئة على ملك الدنيا ورياستها ولا يقدمون إلى البشرية عندما يقودونها إلا الأغراض من الشهوات واللذات الدنيوية ولذلك حفظ التاريخ أكثر ما حفظ من هذه الحوارات تلك العبارة الجامعة المانعة التي قالها ربعي بن عامر رضي الله عنه"إن الله ابتعثنا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الأخرة".

والآن نتركك أخي الكريم لتعيش لحظات مع هذه المواقف الناصعة للصحابة الكرام في مواجهة هؤلاء الطغاة.

أولاً: الحوار بين وفد سعد بن أبي وقاص وكسرى:-

ذكر الإمام ابن كثير في البداية (7/41) عن سيف أن سعداً رضي الله عنه كان قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة، فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم، وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الأرض بأرجلها؛ وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب. كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها وعُددها؟ ولما استأذنوا على الملك يَزدَجِرد أذن لهم وأجلسهم بين يديه - وكان متكبراً قليل الأدب - ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها، وعن الأرِدية والنعال والسياط. ثم كلٌما قالوا له شيئاً تفاءل، فرد الله فأله على رأسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت