فهرس الكتاب

الصفحة 24386 من 27364

* بهذا التصور الانتهازي والتسطيح الفاضح للامور استهبلنا هذه الفرصة ولم نكذب خبرا فسارعنا نناور الغرب وبشكل متهالك مستعجلين الجلوس والحوار مع الشريك الغربي والند المكافئ لنا كما توهمنا، والحق يقال اننا ذهبنا بعيدا في احلامنا بعد سقوط عدوهم الاحمر، او كما توهمنا اننا العدو الاخضر المفترض والبديل القادم والحضارة المنسية. انا لا اعترض على مبدأ الحوار فهو نهج المتحضرين، وهو ايضا ترجمة حقيقية لحسن النيات وفاتحة خير لعصر جديد من التواصل والتفاهم بعيدا عن طريق الاحتراب الذي مارسه بنو الانسان في القرون الخوالي، ولكن ليس اعتراضا بقدر ما هو تساؤل اعتقد انه مبرر ومشروع عن الطرف الآخر من معادلة ذلك الشعار الذي يرفعه مؤتمر (حوار الحضارات) الذي ترعاه جامعة الدول العربية هذه الايام، وهو مفهوم (الحضارات) ، ولم يحظ هذا المفهوم بالطرح والنقاش كما حظي مفهوم (الحوار) ، وقد بقي مفهوم (الحضارات) بعيدا عن التناول وكأنه حقيقة مسلمة، بل اعتبرنا الخوض فيه او الوقوف عنده مضيعة للوقت، واعتقد ان السبب يعود لقناعتنا العميقة بأننا فعلا حضارة منافسة وهذه القناعة هي التي اوصلتنا لهذه الورطة او المغالطة في تحليل هذا المفهوم او هذه الفرضية الغربية والتسليم بها دون تفكير، فلو حاولنا الالتفاف على ذلك المفهوم العدواني او تلك الفرضية الغربية وبحركة منطقية تحاكي تموضعنا الفعلي بين شعوب العالم وقبائله، واقترحناه (حوار الذات مع الذات) او (حوار الشعوب) او (حوار الثقافات) لكان اصوب واقرب للواقع المعيش وأبعد عن الحرج وأحفظ للكرامة العربية والاسلامية، وتسمية حقيقية للاشياء بأسمائها الصحيحة، وبذلك نقطع الطريق على مبتدع تلك الفرضية، وهو السيد (صموئيل هنتغتون) ، حيث اطلقها كما تعلمون كفكرة او مجرد فرضية لا اكثر بمقالة له نشرت بمجلة امريكية اسمها «شؤون خارجية» عام 1993م وتحت عنوان «صدام الحضارات» ، والتي صادف نشرها ظروفا دولية مواتية جعلت منها حكاية على كل لسان وزادا لا ينضب من التنظير والتنظير المضاد حتى تضخمت وتحولت الى ما يشبه النظرية ونشرت في كتاب من تأليفه وما زال صداها يتردد حتى يومنا هذا، ومؤتمر حوار الحضارات المنعقد حاليا في جامعة الدول العربية من ثمرات هذه الفرضية العدوانية التي كادت تطغى على الذهنية الغربية وهي التي اجترحتها اصلا كما استبدت بنا وكأنها حقيقة تاريخية مسلمة لا مجرد فرضية يلفها الغموض والالتباس من كل جانب، والعجيب ان ردة فعلنا لم تكن على عدوانية مطلق فرضية صدام الحضارات ولا على النصيب الاكبر من تلك السلبيات التي خصنا بها دون الآخرين كالصينيين مثلا ضمن فرضيته سالفة الذكر، بل ردة فعل عكسية، وفرحا غامرا بهذا الاعتراف والاهتمام المفاجئ حتى لو كان صراعا او صداما او افتراسا، فهو على كل حال اعتراف جاء بعد تهميش طويل واقصاء ظالم كما كنا نحس به ونشعر، وهذه الفرضية وما لاقته من ضجيج اعلامي قد انتشلتنا من قاع النسيان وجعلتنا في عين العاصفة من جديد، وهذا في حد ذاته مكسب كبير اعطانا الشعور بأننا ما زلنا موجودين في العالم، والوجود الجغرافي هو العامل الوحيد من عوامل الحضارة الذي نمتلكه في الوقت الراهن ولا نحتكم على غيره في المستقبل المنظور وعليه يفترض ان نعي دورنا ونعرف حجمنا وننغمس في حل مشاكلنا الحقيقية وليست تلك الاحلام او الامجاد الغابرة التي اتمنى من المؤتمرين الاجلاء انهم ادركوها، فنحن بحاجة ماسة الى آليات ومقاربات من الحوار البيني الصريح، (الذات مع الذات) اولا، والاتصال العصري الفعال مع العالم ثانيا، لان الوقت يمضي والهوة تتسع والسمعة غير الجيدة تتكرس لدى العالم فهل من مجيب؟ وختاما اذكّر القارئ الكريم انها ليست المرة الاولى التي انادي فيها بتعرية هذه الفرضية العدوانية والملفقة وهي «حوار الحضارات» فقد سبق لي طرحها ومن هذا المنبر بالذات ومنذ أكثر من سنة.

كاتب سعودي *

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت