ماجد بن عبد الرحمن الفريان
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى.
معاشر المسلمين:
إن لكل عِلمٍ مصطلحاتُه، التي تُستخدم للتعبير عن حقائقه العلمية، ولكلّ فنٍّ كلماتُه، التي تشرح أصوله وفروعه وجزئياتِه
السياسة عِلْمٌ من جهة، وفنٌّ من جهةٍ ثانية. لذلك فهي تزخر بالمصطلحات العلمية والفنية، التي تدلّ على الموقف أو الظرف أو الحادثة، في مكانٍ وزمانٍ معَيّنَيْن. غير أنّ السياسة في عصرنا الحالي، الذي يصطلي فيه العالَمُ بجحيم النظام العالمي الجديد..لم تَعُد عِلماً ولا فنّاً، فقد حوّلها (رعاة البقر) وأذنابهم، إلى أكوامٍ من (الخزعبلات) و (الخرافات) ، فأصبحت السياسة عِلم (اللفّ والدوران) وفنّ (الاحتيال والتلاعب والخداع والنفاق) ، وتحوّل العالَمُ إلى مسرحٍ، أقرب للشعوذة منه إلى السياسة الحقّة، وتكاثر المشعوذون بشكلٍ مذهلٍ، فأصبحت السياسة مهنة كلّ المخاتلين، الذين وجدوا فيها سِتاراً لنفاقهم وغشّهم ومواهبِهِمُ الخادعةُ الباهرة!..
إنّ للعولمة بعض مزاياها الإيجابية القليلة، لكنها متخمة بالسلبيات الكثيرة، وأهم ما في العولمة من سلبيات، أن يتحوّل العالَم بمؤسساته وسياسيّيه إلى: (جَوْقةٍ) ممتدّةٍ تُردّد ما يُردّده الغرب بحسن نيّةٍ أحياناً، وبسوء نيّةٍ في أغلب الأحيان، ويصبح العالَم بكلّ مؤسساته السياسية والإعلامية، أسراباً من (الببّغاوات) ، يسوقها غُرابٌ واحد!..
وكلَّ شيءٍ ممكنٌ في زمن السياسة العرجاء، وعصر المصطلحات العوراء، زمن الصلف الصليبي اليهودي.
• فالقتل والسحل، والإبادة واسترخاص الدم البشري يصبح: (دفاعاً) مشروعاً عن النفس!..
• والتشريد والتدمير، واقتحامُ البيوت وهدمُها فوق رؤوس ساكنيها، وإبادةُ البشرِ والشجر، والزرع والضِّرع؛ تصبح: (مبالغةً) في العنف!.. أو (خطأً) بشرياً مبرّراً!
• وانتهاكُ سيادة الدول، وخرق القوانين الدولية التي التزموا بها، واتفاقيات الأمم المتحدة، وشنّ الغارات وعمليات التجسّس والاغتيال السافر تصبح: (تصعيداً) أو (تسخيناً) !.. أو (مكافحةً) للإرهاب!..
• و يصبح الاحتلال السافر لمجموعةٍ من الأراضي: (إعادةَ انتشار) !.. والحربُ تصبح: (السلام) !..
• ويصبح الجهاد لتحرير البلاد والعباد من رِجس المحتلّ الغاصب: (إرهابا) !..
• والفساد في الأرض يصبح: (تطهيراً) !..
• وبائعُ الأرض بثمنٍ بَخْسٍ، وهاتكُ العِرض، وقاتلُ الأحرار ومعذّبُهم يصبح: (زعيماً تاريخياً) !..
• والاستخذاء والاستسلام والجُبن يصبح: (ضبطاً للنفْس) !..
• والخروج عن أبسط معاني الشرف والقِيَمِ والدّين والخلق القويم السويّ يصبح: (تقدّماً وتحضّراً) !.. و (خيراً) في مواجهة (الشرّ) !..
• وتصبح الخيانةُ: (حُنْكةً) !.. والعبوديةُ والمهانةُ والذلُ: (تحرّراً) !.. والاحتلالُ بكلّ أشكاله: (استقلالاً) !..
• والتحيّز السافر: (حياديّةً) !.. والتواطؤ مع المجرمين والظلم والظالمين: (نزاهةً) و (إحقاقاً للحقّ) !.. و.. إلى آخر كلمةٍ من المعجم السياسيّ العالميّ اليهوديّ الصليبيّ..
إنها لعبة المصطلحات وسِحرها، ومعاجمها المعاصرة، بكلّ شعوذتها ونفاقها ودَجَلِها، وجهلها....
معاشر المسلمين: ولم يسجل التاريخ قضية تجمعت فيها الأحقاد العالمية، وبرزت فيها المتناقضات الدولية، وتجلى فيها التلاعب بالمصطلحات اللفظية، مثلما سجل في قضية فلسطينَ المسلمةِ وقدسها المقدسة.
ولقد آن لكلِّ مسلمٍ أن يُخرجَ القلمَ ويَكتُبَ، وأن يرفعَ عقيرتَه ويَندُبَ، وأن يرتقيَ منبرَه ويَخطُب، وأن يرفعَ سلاحَه ويَضرِب... نعم؛ حان الوقت!؛ فدعوني أبثُّ إليكم أحزاني، وأقصُّ عليكم قصة الجاني، يوم سلبَ مني أندلسَ وفلسطينَ وبعضَ أوطاني.
هل قلت حان اليوم: بعد بضع وخمسين عاماًَ من الفشل الذريع في الحرب وفي السلام.
لا... بل إن الأوانقد آن وحل من عشرات السنين، منذ بضع وخمسين سنة، نعم ما كان لإسرائيل أن تبقى وتعلو أو لتوجد أصلاً لولا تقدير الله لها ذلك، ثم تقصير المسلمين، في سلسلة من الأخطاء المترادفة، والخطايا المتراكمة، ممن وضعوا أنفسهم في واجهة هذا الصراع الديني الاعتقادي؛ حيث تعمد هؤلاء عن سابق إصرار وترصد أن يفرغوا هذا الصراع من محتواه الاعتقادي وخلفيته الدينية
في الوقت الذي يتعمد فيه اليهود بصبغه الصبغة العقدية في كل جزئياته.
أما بنو قومنا فإنهم لما تخلوا عن الله وشرعه ومنهجه حرمهم الله من نوره وبصيرته التي بها يبصر أولياؤه المؤمنون الصادقون، وأضحى الحل الصحيح لهذه الأزمة الثقيلة مجهولاً لديهم مستغلقاً عليهم، لتخلي الله عنهم ( نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [الحشر: 19] .
يتجلى ذلك إخوة الإسلام في جميع محاولاتهم اليائسة التي تستهدف إقناع دولة الكفر بأن اليهود يمارسون عليهم الإرهاب الدولي المنظم لكي يفعلوا شيئاً تجاه اليهود.
نسوا أن بريطانيا هي التي جاءت باليهود ابتداءً مقابل دعمهم لها بالمال في الحرب العالمية الثانية، فكيف تستنكر اليوم عليهم أو تعطي موعداً مكفراً لسيئتها يقضي بإقامة دولة فلسطينية!!!.