الأحد:15/04/2001
(الشبكة الإسلامية) هشام أسامة منور *
-لا يزال مفهوم «العولمة» يثير جدلاً واسعاً ونقاشاً صاخباً بين المثقفين والمفكرين الاجتماعيين والاقتصاديين، بدءاً من تحديد المعنى، ومدى مشروعية الأطروحات في عالم اليوم المتسارع الخطى ، ومروراً بتحليل العولمة كظاهرة تحمل في طياتها أبعاداً متداخلة ذات تأثيرات متباينة على شتى بقاع العالم، وعلى الرغم من التناول الواسع النطاق الذي يجري في العالم وعلى كافة المستويات، إلا أن المفهوم ذاته ما زال يكتنفه الغموض عند البعض، والتشويش عند البعض الآخر، وربما يرجع ذلك في جانب كبير منه إلى التعامل مع تلك الظاهرة بقطع ويقين لا يتناسب وطبيعة تلك الظاهرة المدروسة، فإما أن نرفضها وننبذها بشكل كامل وإما أن يؤيدها ونهلل لها ونبشر بها في محافلنا ومجتمعاتنا، متناسين أن العولمة قد تحولت إلى قوة فاعلة في النظام الدولي المعاصر، بل أصبحت قوة فعلية مؤثرة في حياة البشر، وذلك على إثر التحولات الكبرى التي شهدها العالم أجمع منذ مطلع التسعينات، إذ حدث انقلاب هائل وثورة عارمة غيرت من ثوابت الفكر وتوجهاته واستراتيجيات التنمية والتخطيط على كافة المستويات، وأدى تفكك الاتحاد السوفيتي وإنهاء الحرب الباردة وظهور مقولات (نهاية التاريخ) و (صدام الحضارات) إلى تبلور شكل جديد لنظام دولي لم تتحدد ملامحه بعد، إلا أن ما لا شك فيه أنه «يمثل حركة متسارعة وقوة فاعلة ومؤثرة في العلاقات الدولية» ، ولأجل تشخيص الواقع وأزماته كان لابد من تحليل ظاهرة العولمة، واكتناه ميكانزمات النظام الدولي الجديد، وهو ما حاول الكاتب النهوض بعبئه في هذا الكتاب فهو يصوغ الغاية من هذا الكتاب على صورة تساؤلات تطرح نفسها بقوة وخاصة في دول الجنوب الفقير «ما تأثير العولمة على أوضاع هذه الدول وعلى مستقبلها؟ أين التراث من عولمة الثقافة؟ ما أكثر تجليات العولمة وما هي تحدياتها التي تواجه الدول غير القادرة على المنافسة في ظل حضارة السوق؟ ما الدور الحقيقي الذي تقوم به الشركات العملاقة عابرة القوميات في عولمة اليوم؟ هل يبقى لفقراء العالم مكان على الخريطة الكوكبية الجديدة؟ أين الهوية الوطنية في ظل إعادة صياغة إنسان كوني؟ لماذا وكيف تصبح الثقافة الأمريكية هي الثقافة الكونية على مستوى العالم؟ ما مواطن القوة فيها وما مواطن الضعف في الثفافات الأخرى؟» .
يضم الكتاب ست دراسات حول موضوع إشكاليات الثقافة العربية في زمن العولمة، ويبحث الكاتب في الدراسة الأولى ظاهرة العولمة وموقفها من الثقافة الوطنية انطلاقاً من رؤية نقدية فيعالج قضية معايشة الإنسان العربي المعاصر لعالمين متناقضين بحواملهما الثقافية غير المتكافئة «ثقافة تراثية مفعمة بالمواطنة الأصلية وأخرى عولمية تغريبية تسلبه الأولى وتدفعه نحو عصرنة فردية كوكبية مصطنعة» . ولا يجد الكاتب بُداً من التساؤل حول ماهية العولمة في ظل نظام عالمي لم تتحدد ملامحه بعد، فيرى أن شعار «جيران في عالم واحد» هو شعار توثيقي لنظام جديد آخذ في التشكل ترتسم فيه معالم طريق يقود الدول إلى تخيل بنائي كقرية كونية صغيرة، فما العولمة إذن سوى نظام قديم في ثوب جديد أكثر إحكاماً «وبرغم أنه يبدو أن العولمة هي دعوة جديدة إلا أنها لا تختلف كثيراً من حيث سياستها وأهدافها وأيديولوجيات الداعين إليها عن السياسات التي ميزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي إبان مرحلة الثورة الصناعية» . فالعولمة بهذا المعنى لا تعدو أن تكون عملية تاريخية تحكم تفاعلاتها مجموعة من القيم لدول عظمى في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى بشتى الطرق لتسويق نموذجها الحضاري في الاقتصاد والسياسة والثقافة بمفرداتها المعروفة.
وعلى الرغم من ذيوع مفهوم العولمة وانتشار تداوله بين المثقفين إلا أن الغموض لا يزال يكتنف هذا المفهوم في الخطابات المعاصرة بحيث تعجز تلك الأخيرة عن صياغة فهم دقيق لما يعنيه ذاك المفهوم كعملية ثلاثية الأبعاد والمستويات (اقتصادية وسياسية وثقافية) .
بيد أن قراءة وتحليلاً متأنياً لأدبيات الفكر المعاصر سوف يقودنا إلى الاعتقاد بأن العولمة ما هي إلا تعبير عن «أزمات وتناقضات يمر بها النظام الرأسمالي ذاته (أزمة في الداخل) وأزمة الشعور بفقدان الذات المركزية داخل المركز الرأسمالي ذاته وبهذا المعنى فهي صياغة جديدة لإعادة المركزية الرأسمالية في ثوب جديد أو مستحدث، ومحاولة لنشر حضارة السوق المعولمة، وهي بذلك تعبر عن سيادة نمط التشيؤ حيث العمل على تحويل كل شيء إلى سلعة متداولة في السوق لصالح قوى حرة جديدة عابرة للقوميات» .