وفي سبيل تحقيق أهدافها لا تتوانى العولمة عن استخدام آليات (ميكانزمات) معينة لتعميق توجهاتها وتأثيراتها في العالم، كربط العولمة بحركة تداول راس المال الاقتصادي وإزاحة العملية السياسية في المجتمعات التقليدية لصالح الفئات الأقدر على توجيه مسارات الإنتاج والمال والتجارة والاستثمار لصالحها، وربط أجزاء العالم على الرغم من تباعدها وانفصالها بروابط عدة حتى تحول العالم إلى قرية كونية صغيرة، وبلورة ثقافة عالمية تتسم بسمات خاصة تستفيد منها الفئات المسيطرة على العمليات الاقتصادية والسياسية والإعلامية، والعمل على تراجع دور الثقافة الوطنية التقليدية في مواجهة ثقافتها وذلك بالاعتماد على التقنيات الحديثة وبخاصة في مجال تدفق المعلومات، على طريق تشكيل قيادة عالمية تستحوذ النفوذ والقوة وتكون قادرة على توجيه عمليات التحول الاجتماعي المطلوبة.
وفي ظل صراعها مع الهوية الوطنية تسعى العولمة إلى تكريس الثقافة الاستهلاكية وترسيخها في ظل آليات الهيمنة العالمية إذ تحولت تلك الثقافة إلى آلية فاعلة لتشويه البنى التقليدية وتغريب الإنسان وعزله عن قضاياه وإدخال الضعف لديه والتشكيك في جميع قناعاته الوطنية والقومية والأيديولوجية والدينية وذلك بهدف إخضاعه نهائياً للقوى والنخب المسيطرة على القرية الكونية وإضعاف روح النقد والمقاومة عنده حتى يستسلم نهائياً إلى واقع الإحباط فيقبل الخضوع لهذه القوى أو التصالح معها».
فللعولمة تجليات متعددة متشابكة الأبعاد والمستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية وتأثيراتها الثقافية هي الأخطر حيث يتم فرض ثقافة خارجية ليست وليدة تفاعلات بين الحضارات والمذاهب المتباينة.
وتطرح الدراسة الثانية قضية أمية المثقف العربي: الإبداع وأزمة الفكر السوسيولوجي، وإذا كان من الصعوبة بمكان تحديد مصطلح الثقافة والمراد منه، فإن مرد ذلك يرجع إلى محاولة المثقفين وضع خصائص ورسم سمات أغلبها مثالية لخصائص ذواتهم في سياق تحديدهم لمفهوم الثقافة والمثقف والمفترض أن تتمحور إسهامات المثقفين والباحثين حول «تحديد الدور الذي يقوم به هذا المثقف في مجتمعه وإن السؤال الذي يجب أن يهتم به من يبحثون في هذا الشأن هو: هل كان إنسان يقوم بدور المثقف» . فأزمة الفكر العربي هي «تعبير عن أزمة تشوه اجتماعي كانت لها آثار كبرى في تكديس التخلف في هذا الجزء المهمش من العالم والمجتمع العربي بلا جدال جزء منه» وعليه فإن الاهتمام المتزايد بقضايا الثقافة العربية المعاصرة والمثقف العربي هو أشبه ما يكون بعملية «استعادة للذات المفقودة في إطار الكل الاجتماعي» .
وكي نستطيع فهم قضايا الثقافة والوقوف على خصائص المثقف الاجتماعي العربي وأميته المعاصرة، لابد من الربط بين البناء الاجتماعي والنسق المعرفي فنقوم بتحليل خصائص المجتمع العربي وإشكاليات البنى الاجتماعية والثقافية المتناقضة على مستوى الواقع البنائي للمجتمعات العربية، وهو ما صنفه الكاتب في ثلاث مجموعات، بالإضافة إلى مستوى الوعي بقضايا المجتمعات العربية وإشكالياتها، والتي من أهمها إشكالية العلاقة بين المثقف والجماهير وحالة الغياب والانفصال شبه التام بينهما، وإشكالية العلاقة بين الثقافة والسياسة أو المثقف والوالي حيث يلاحظ «تأرجح المواقف الأيديولوجية للمثقفين ورجال الفكر الاجتماعي العربي من النظم الاجتماعية السياسية في هذه المنطقة» في نزعة براغماتية فاضحة، وهناك إشكالية العلاقة بين الاستقلال الوطني والتبعية الاقتصادية، وتباين مواقف المثقفين تبعاً لتباين أدوارهم وهذا التأرجح في مواقفهم يشير إلى أن «هناك شيئاً أصاب الوعي اسمه التشوه الفكري الاجتماعي مما أدى إلى فقدان ما يسمى بالوعي الجمعي» .
وفي كل تلك الحالات نجد الفكر العربي منعزلاً عن واقعه أو متقوقعاً داخل ذاته يجتر ثقافته الموروثة أو يترجم ثقافة غيره.
ويرى الكاتب أن أزمة العلم السوسيولوجي في المجتمع العربي تتلخص في عدم قدرة المتخصصين في هذا المجال على التخلص من تلك الرابطة التي تجمع بين الباحث والنشأة الأكاديمية للعلم الاجتماعي، فنشأة هذا العلم في الغرب مرتبطة بالظروف التاريخية والمصالح الطبقية والصراعات الأيديولوجية التي حكمت الغرب إبان نشوئه، ولعل من أبرز ملامح هذه الأزمة على «مستوى العلاقة الجدلية بين أزمة البناء وأزمة العقل العربي» تتمثل في إشكاليات نظرية، إذ يتعاطى الباحثون أطراً فكرية تقليدية إلى حد كبير، وأخرى أيديولوجية تتمثل في انتماء المتخصصين في هذا المجال إلى الاتجاهات المثالية المحافظة فضلاً عن إشكالية منهجية تكمن في «تبني المنهج التسطيحي في علم الاجتماع بدءاً من اختيار موضوعات تقليدية ومروراً بمداخل منهجية غير واقعية» . وبالتالي فإن الدعوة إلى إنشاء مدرسة عربية في علم الاجتماع لا تعدو أن تكون ردة فعل تجاه الأزمات التي تواجهها الثقافة العربية، وبالذات أزمة الأمية في هذا العلم وذلك في سياق استعادة الذات العربية المفقودة.