فهرس الكتاب

الصفحة 3549 من 27364

أ.د. عبد الحليم عويس

توجد في الساحة الأوروبية تيارات ثلاثة تؤرخ للعلم وتطوره، فأما أولاها: فهي التي تتكلم عن العلم بكثير من الحياد، فلا تربطه بأفكار مسبقة ولا تزعم أنه يكفي الإنسان وحده، بل تعترف ـ ضمنا وليس صراحة ـ بأن الإنسان يحتاج مع العلم إلى الدين والأخلاق.

وهناك مدرسة ثانية قوية ـ وإن لم تكن كبيرة الحجم ـ تؤمن بأن"العلم يدعو إلى الإيمان"وبأن"الإيمان يتجلى في عصر العلم"وبأن"الإنسان ذلك المجهول"لا يعلم مفاتيحه إلا الذي خلقه، ولن تتحقق سعادته إلا بخضوعه للمنهج الرباني الذي أنزله الله الذي يعلم من خلق وهو ـ وحده ـ اللطيف الخبير!!

وهناك منهج ثالث متهافت، لكنه مدعم من أبواق الإعلام الصهيونية والإلحادية في العالم، ويحاول أصحاب هذا الاتجاه الوقيعة بين العلم والدين، ويزعمون أن الإنسان يستطيع أن يقوم وحده، وأنه ليس في حاجة إلى قوة أخرى تساعده، وهؤلاء يحاولون أن يخفوا وجوههم الحقيقية في بعض ما يكتبون، فيستعملون مصطلحات غائمة، لا يدرك ما وراءها إلا الذي يعرف أهدافهم وأساليبهم!! ومن المصطلحات التي يتسترون خلفها رفضهم مبدأ (العلِية) الكونية تحت راية أن نظرية المعرفة (الأبستمولوجيا) ترفض اطراد الطبيعة [وكأنه لا قوانين] وبالتالي ترفض العلِية أو الثباب في القوانين، وتؤمن بمبدأ (الصدفة) .. إلى غير ذلك من المقولات التي ينقصها العلم الحق والمنهج الصحيح والنظر الموضوعي لحقائق الكون والحياة، بل إلى داخل البناء الإنساني في نفسه قال - تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) } [الذاريات] ، وأيضا: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53] !!•

والحق أن (العلم الحق) غير الموظف لأغراض أيدلوجية، بعد إسقاطه للماركسية قد أسقط هذه (الفلسفة) العبثية التي تحاول أن تظلم العلم، وتقوده إلى الصدام مع الحقائق الكبرى، التي يقوم الكون عليها: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) } [المؤمنون] ، ولقد أصبحت الحضارة الأوربية نفسها تئن من هذا الاتجاه، ويرفضه علماؤها الكبار وفلاسفة تاريخها.. وقد ظهر هذا الاتجاه جليا في النصف الثاني من القرن العشرين كله، لدرجة أن الكاتب الهندي الكبير (تقي الدين الأمين) رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة عليكرة ـ رحمه الله ـ رصد ظاهرة انهيار الفلسفة المادية العبثية للعلم في كتاب كامل سماه:"عصر الإلحاد: خلفيته التاريخية ونهايته"كما أن الكاتب الهندي الكبير (وحيد الدين خان) (دحض هذا الاتجاه في كتابيه المعروفين:"الإسلام يتحدى"و"الدين في مواجهة العلم"... وفي عالمنا العربي دحض هذا الاتجاه أيضا مفكرون كثيرون على رأسهم العلامة نديم الجسر ـ مفتى طرابلس لبنان ـ رحمه الله ـ في كتابه: قصة الإيمان بين الفلسفة والدين والعلم..!!

فما بال بعض المراهقين الفكريين لا يزالون يجلسون على المائدة الماركسية عندنا، مع أن فساد أطعمتها قد وضح لكل ذي عقل وقلب؟!

إن نظريات إلحادية كثيرة تلفعت برداء العلم الغربي"كالتطورية الدرونية"و"الجنسية الفرويدية"والوضعية [الكونتية ـ نسبة إلى أوجست كونت] ، و"المادية الماركسية"قد أسقطها العلم نفسه...

نعم أسقطها العلم الغربي والشرقي على السواء.. فما بال بعضنا يبقى متحلفا في التبعية، ولا يعجبه

إلا الطعام الرديء المغشوش•• والعلم بريء من ذلك كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت