فهرس الكتاب

الصفحة 17016 من 27364

بقلم: محمود عوض

الحديث عن الشيوعية لا يعني مفهومها في الفكر الإنساني القديم من الولاء الفردي للعائلة أو الدولة ، ولكنه يتعلق بمفهومها الحديث الذي يسمونها فيه"الشيوعية الماركسية أو العلمية communisme scientifique"فهي دعوة مادية تنكر الأديان كلها وتهدمها من أصولها وتقتلعها من جذورها ؛ لأنها لا تعترف بغير المادة ، وشعارها"لا إله والحياة مادة"،

بل إن الدين عند الشيوعية وهم ومخدر يتعزى به الفقراء والكادحون ، والشيوعية هدامة من جهة أنها تخلق الحزازات بين طبقات الأمة الواحدة ، وتوغر صدور بعضها على بعض ، وتوهم بتوحيد الطبقة العاملة على الرغم من اختلاف الأوطان والأديان وهي في الحقيقة تستعبد هذه الطبقة لصالح النظام وزعمائه ، والشيوعية تهبط بالنوع البشري وتهوى به إلى الحيوانية لأنها تحصر أهداف الإنسانية في الكسب والرزق ، والشيوعية من هذه الجوانب تدخل في طوائف الكفر من أوسع أبوابه .

كيف نشأت الشيوعية

في جو ملتهب بالاضطراب والاستبداد والظلم والبؤس وكل ألوان الغمط نشأت الشيوعية كنتيجة من نتائج الصراع الذي قام بين السلطة في الكنيسة والسلطة في الدولة - تماماً كما نشأت العلمانية - وتقاذفت الإنسان الأوروبي رحى الخلاف ، فالكنيسة غاشمة والسلطة ظالمة ، وبالتالي انتشرت المحسوبية والفساد ، وابتزاز الأموال والفخامة والأبهة على حساب الشعوب ، يقول فيشر في كتابه"تاريخ أوروبا في العصور الوسطى": ( ... كل ذلك أسخط العقول المتزنة في جميع أنحاء أوروبا وجعل بعض النقاد الذين لم يعرفوا بشيء من التصون أو التقوى ينعتون رجال الدين بأنهم صيادو الذهب والفضة ) .

ويقول الراهب جاروم:".. وقد انحطت أخلاق البابوات انحطاطاً عظيماً واستحوذ عليهم الجشع وحب المال حتى كانوا يبيعون المناصب والوظائف كالسلع ، وقد تباع بالمزاد العلني ، ويؤجرون أرض الجنة بالوثائق والصكوك وتذاكر الغفران"حتى بلغ إيراد الكنيسة سنوياً ما يقرب من مائتي مليون جنيه من أموال الجباية ، ودخل الأراضي الموقوفة وكانت تبلغ خمس أرض فرنسا تقريباً ، ويضاف إلى هذا موقف الكنيسة في أوروبا من العلم والعلماء ومحاربتها لهم وإنشاء محاكم التفتيش ، وقد عاقبت الكنيسة ثلاثمائة ألف منهم بالإعدام حرقاً ، منهم اثنان وثلاثون ألفا أحرقوا وهم أحياء ، وكان من هؤلاء جاليليو، وبرونو عالما الطبيعة .

وهكذا تولد عند الأوروبيين عامل الثورة ضد الإنحراف الديني والظلم الإجتماعي فاتجهوا إلى المادية بكل معانيها ، يقول فيفث FIFTH في كتابه"الإسلام على مفترق الطرق": ( إن الحضارة الغربية لا تجحد الله في شدة وصراحة ، ولكن ليس في نظامها الفكري موضع لله في الحقيقة ، لا تعرف له فائدة ولا تشعر بحاجة إليه ) ، وفي هذه الأجواء الدينية العكرة كانت أوروبا تريد الخلاص من الظلم الذي حرمها حق الحياة الكريمة .

ومع هذه البيئة العكرة وجدت عوامل أخرى اجتماعية

( طبقة أشراف تسيطر على كل شيء ، وطبقة الكنيسة ورجالها ، وطبقة العامة - 95% - وفيها المفكرون والمتعلمون ـوالتجار والمزارعون والصناع الذين كانوا في حالة بؤس شديد ) وعوامل سياسية ( حيث عم الفساد والقتل والإرهاب الأكبر في عهد روبسبير ومحاكم الثورة الفرنسية ومذابح سبتمبر وصراع فرنسا - نابليون - مع أوروبا عسكريّاً وسياسيّاً ) ، وعوامل اقتصادية وعسكرية وثقافية أيضاً .

والمهم أن الإشتراكيين الأوائل ركبوا هذه الموجة وظنوا أنهم وضعوا أرجل أوروبا على طريق الخلاص بأفكارهم التي تدعو إلى تخفيف الويلات ، وأشهر من تصدى لهذا العمل ثلاثة هم سان سيمون (SAINTSIMON ) ، شارلز فوربيه ، روبرت أوين ( r OBE r T OWEN ) ، وأول ما يتطرق إلى الذهن في هذا العرض أن أوروبا كانت تنظر إلى الخلاص من رق الاستبداد والظلم الاجتماعي فقبلت أول الأطباق التي قُدمت إليها على مائدة الإصلاح فأكلته بنهم لتصيبها بعد ذلك غصة الشيوعية السوداء .

ما هي الشيوعية ؟

لفظ الشيوعية كان مستعملاً في فرنسا فترة الاختمار الاجتماعي التي أعقبت ثورة فرنسا عام 1830م ، ولا يعرف أصلها ولا تاريخ نشأتها ، يقول الدكتور رؤوف شلبي في كتابه"التضليل الماركسي": ( ولكننا نجزم أنها سمعت لأول مرة مرتبطة ببعض الجماعات السرية الثورية في باريس خلال العقد الثالث من القرن التاسع عشر ، وكان مدلولها يختلف باختلاف المذاهب الثورية ، فعند الفرنسيين كان معناها: تنظيم اجتماعي يقوم على الاتحاد الفدرالي بين جماعات متجاورة من السكان سميت بـ"الكوميون") .

واستعملها"كابيه"بمعنى الشيوع أي: تكون الأشياء مشاعة وملكيتها مشتركة ، ثم أُطلقت على اليسار المتطرف الذي أُطلق عليه"العصبة الشيوعية"سنة 1847م ، ثم أُطلقت على البيان الشيوعي عام 1848م ، ومع هذا فإن الرواد الأوائل لها لم يجنحوا إلى استخدام واحد من هذه المعاني .

التفسير المادي للتاريخ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت