لم يكن صحيحاً أن كارل ماركس أتى باشتراكية علمية ، ولكنه سطا على خزينة الفكر الإشتراكي ، فقد كان ضيفاً على مائدة الفكر الاشتراكي الانجليزي والفرنسي أولاً ثم صاغ ما أكله من هذا الفكر وتشبع به في ثوب ألماني أو قريب من الألمانية ، يقول ج.هـ . كول في كتابه"تاريخ الفكر الإشتراكي""وإلى حد كبير أخذ اتجاه النظريات الاقتصادية المناهضة للرأسمالية شكل إعادة تنظيم النقد لمذاهب الاقتصاد الكلاسيكي ، وكانت هذه أيضاً في جوهرها نقطة البداية التي استعملها ماركس فيما بعد في هجومه في نقد الاقتصاد السياسي".
هذه الصياغة من ماركس كانت لمفردات موجودة ، فقد وضع"جون لوك"نواة نظرية قيمة العمل ، ويمكن تتبع أصولها لأبعد من"جون لوك"، وكان"آدم سميث"يعتبر العمل هو المصدر الطبيعي الوحيد للقيمة ، ويدعي كثير من الشيوعيين وفي مقدمتهم"لينين"أنه لا معنى لكتاب"رأس المال"بغير مذهب"هيجل"ذلك المذهب الفلسفي القائل بالثنائية أو القائم على تطور النقائض ، وخلاصته - كما يرى الدكتور رؤوف شلبي - أن الشيء الموجود له نقيض ، واتحادهما معاً أو مركب النقيضين يعطي وجوداً أكمل ، ويستمر التناقض حتى ينتهي إلى تركيب أتم من سابقه وهكذا يتطور التاريخ وتتقدم المعرفة والحرية .
ويقال: إن ماركس جاء فأبقى إطار هذا المذهب في قوله بالثنائية ثم أفرغه من محتوياته ونقله من مذهب فكري لا يرى في الكون غير المادة ، وسماه ماركس: المادية الثنائية ، وزعم أنها قوانين تسيطر على تاريخ الإنسان ، وأسماها: التفسير المادي للتاريخ ، ودعا فيما - سماه بحرب الطبقات - إلى تحكيم المشرفين على وسائل الإنتاج ، ويتصور ماركس أن النقائض المادية في التاريخ سارت من ملكية مشاعة إلى استخدام السادة للعبيد ثم جاء أصحاب الإقطاع ، ثم جاء التجار وأصحاب الأموال ، وهو أول أطوار الرأسمالية البرجوازية .
أما الطور الثاني فقد جاء مع رأس المال وسيطرة القلة من أصحاب المصانع والشركات واستنزافهم ثروة المجتمع وتسخيرهم أفراده ، وعندئذ يثور المسخّرون على السادة ، وبالثورة يتم السيطرة من قبل المكبلين بالسلاسل والأغلال على أزمّة الإنتاج بغير استغلال وبغير تسخير ، وتلك هي غاية التاريخ الإنساني التي تبطل عندها النقائض ، ولا تبقى فيها غير طبقة واحدة تنتهي معها فكرة صراع الطبقات ، بل وينتهي معها - في زعم ماركس - كل صراع في الحياة الاجتماعية ، ويظل شعار المجتمع:
((( من كل أحد حسب قدرته ، إلى كل أحد حسب حاجته ) )) .
نظرية ماركس في التطور والثبات
أولاً نظرية الثبات:
وفيها أن العامل كان يعمل عدد ساعات ويأخذ أجره على قدر استهلاكه لا على قدر عمله ، فيتولد فائض من الأجر وهو ما أطلق عليه ماركس اصطلاح: القيمة الزائدة التي كانت تذهب إلى صاحب العمل ، وفي نفس الوقت فالقيمة التي أخذها تعادل مثلاً نصف عدد ساعات العمل التي عملها ، فالزيادة في عدد الساعات سماها ماركس"العمل الزائد".
ثانيا نظرية التطور:
وفيها أن أصحاب العمل قلة ، وأن العمال والأجراء أو البروليتاريا هم الفريق الأكثر والأقوى ، وهم الذين ستؤول إليهم في النهاية ملكية المصانع والشركات ، وإلى هذه الطبقة يوجه ماركس نداءه:"اتحدوا يا صعاليك العالم ، فأمامكم عالم تغنمونه ، وليس عندكم من شيء تفقدونه غير القيود والأغلال"وهي نظرية لفقها ماركس من رقاع فكر الذين سبقوه .
الردود على نظريات ماركس
أوسع الباحثون نظريات ماركس رداً وتفنيداً مثل الدكتور ج.هـ . كول الذي ردّ عليها وعلى البيان الشيوعي وتساءل: كيف تكون النظرية الماركسية الفاشلة في حينها عالمية المنهج والتطبيق ؟ ، ومن مثل الشاعر الروسي"بسترناك"الذي قال"إن المادية التاريخية مذهب تتباعد فيه المسافات بين النظريات ووقائع الحياة"، والحقيقة أن النظرية ودولتها قد انهارت وهذا هو أبدع ردّ وأبلغه عليها وليس المقام هنا مقام تفصيل في هذا الردّ ، ولكننا سوف نكتفي بعبارتين للأستاذ العقاد - رحمه الله - يقول:"والحصان هنا - أي في نظريات ماركس - معلق وراء المركبة ، على عادة المذهب في أكثر نظرياته"ومن ذلك مثلاً أن العمل الإنساني له قيمة بمقدار طلبه ، ولكن المذهب الماركسي يقلب الواقع رأساً على عقب فيقول بأن السلعة لها قيمة بمقدار ما فيها من عمل الإنسان ، وعلى هذا القياس المقلوب يقال: إن حب الامتياز يأتي من حب الربح ، ولا يقال إن حب الربح يأتي من حب الامتياز .
ويقول - أيضاً - الأستاذ العقاد:"فمن النبوءات الماركسية المحتومة: أن البلاد التي تسودها الصناعة الكبرى هي أصلح البلاد لسيادة الماركسية فيها ، فإذا بالنتيجة الواقعة في كل مكان أن الماركسية أفشل ما تكون في تلك البلاد ، وأن هذه الماركسية تسود بمقدار خلو البلاد من الصناعة الكبرى لا بمقدار غلبة الصناعة الكبرى عليها !!"
العلاقة بين الشيوعية واليهود