فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 27364

حسن الرشيدي

«إذا انتظرنا إلى أن يتحقق التهديد فسننتظر طويلًا» .

هذا قول بوش أمام البرلمان الألماني يستعجل إطلاق ما اسماه باستراتيجية الضربات الوقائية، وهي استراتيجية جديدة تحاول الولايات المتحدة أن تتبناها لتحقق بها مزيدًا من التوسع والهيمنة في العالم.

هذه النزعة ازدادت ضراوة مع وصول بوش الابن للإدارة، ولكنها بدأت تتبلور مع نهاية الحرب الباردة عندما راحت تتفشى طروحات الهيمنة المكشوفة والاعتماد على القوة المتفوقة كواحدة من أهم أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ولم يخف الرئيس بوش وطاقمه في الإدارة منذ البداية نزوعه إلى احتضان هذا التوجه، بل انتماءه لهذا الخندق حين سارع لرفع لواء التفرد والتفوق باعتبارهما حقًا وامتيازًا خاصين بالولايات المتحدة لكونها القوة العظمى الوحيدة على الساحة الدولية، وتجلى ذلك في رفض واشنطن الانضمام لعديد من الاتفاقيات الدولية، أو الانسحاب من عدد منها.

ولذلك فإن فهم هذه التغيرات في السلوك الأمريكي في العالم والتغيرات التي تطرأ على استراتيجيات توجيه الدفة العالمية مهم لاستيعاب الحقائق والأحداث السياسية استيعابًا شاملًا عميقًا ومعرفة إلى أي الاتجاهات تتمدد.

ولعل التهديدات الأمريكية بضرب العراق هي خير تطبيق لتلك الاستراتيجية الجديدة؛ ولذلك يلزم المتابع لما سيجري في العراق بل ما يتم التخطيط له بالنسبة لهذه المنطقة في العالم الإلمام بهذه الاستراتيجية.

ولإدراك أبعاد هذه الاستراتيجية لا بد من اتباع منهج تحليلي يضع في حسبانه عدة محاور:

أولًا: معنى الاستراتيجية.

ثانيًا: الاستراتيجيات الأمريكية قبل بروز الاستراتيجية الجديدة لمعرفة مدى التطور في الفكر الاستراتيجي الأمريكي.

ثالثًا: معنى استراتيجية الضربات الوقائية، ومتى بدأت الإدارة الأمريكية في تبنيها، والظروف المصاحبة لانطلاقها، وأثرها على الموقف الدولي.

u الاستراتيجية:

وإذا كانت الاستراتيجية تتمثل في التعرّف على أفضل طريقة لبلوغ الهدف والتوصّل إلى أنجع طريق يؤدي إليه في أحسن الظروف الممكنة من خلال استغلال نقاط القوة والتغلّب على مناطق الضعف فإنّها أيضًا تتطلّب القيام بخيارات حول أقوى الأفكار التي ستمثل المحور الأساسي للجهود التي ستخضع إليها الأهداف والوسائل والأولويات.

بينما يجري تعريف الاستراتيجية في أدبيات كثيرة على أنها فن توظيف عناصر القوة للأمة أو الأمم لتحقيق أهداف الأمة أو التحالف في السلم والحرب، وهو أيضًا فن القيادة العسكرية في ساحة المعركة، ومن هنا نجد الربط بين الاستراتيجية وقوة الدفاع.

وفي تعريف لمركز الدراسات الاستراتيجية ومقره جنيف ينظر للاستراتيجية على أنها نظرة عمل لتصميم وبناء حاضر يتيح إنجاز أهداف في المستقبل؛ بمعنى أنها تستوعب مستقبلها فتشرع إليه من حاضرها؛ فهي عملية إيجاد معطيات للواقع وهنا بالذات تظهر الحاجة إلى التحليل والتأمل وملاحقة الظواهر وإخضاعها للربط المتفاعل وليس الربط المجزأ والآلي.

ولذلك فإن الاستراتيجية تعنى بحقيقتين جديدتين هما: الأهداف المتوخاة، والقدرة.

* استراتيجية الصراع:

وهي تعني أيضًا أن أفضل تصرف يقوم به طرف مشارك في صراع ما كان مبنيًا على تصرفات الطرف الآخر؛ فهي تركز على أن تصرفات طرف إنما يبنيها على توقعاته وتنبؤاته لما ستكون عليه تصرفات الطرف الآخر، وبناء على تلك التنبؤات يصوغ استراتيجيته ويحدد تصرفاته ويتخذ قراراته من أجل التأثير في تصرفات وقرارات الخصم؛ فجوهر الاستراتيجية إذن يقوم على التأثير في قرارات الخصم وخياراته؛ وتحقيق ذلك إنما يتم بالتأثير في توقعاته لما ستكون عليه قراراتنا أي قرارات الطرف الأول؛ وذلك بمواجهته بدليل مقنع بأن سلوكنا سيقرر في ضوء سلوكه؛ وعناصر الاستراتيجية بناء على ذلك التعريف هي فهم المسألة موضوع الصراع وتحديد أطرافها ومحاولة إدراك مصالح كل طرف.

* الاستراتيجيات الأمريكية قبل الحرب الباردة:

وبناء على تلك التعريفات السابقة فقد كانت الاستراتيجية الأميركية قبل عام 1947م لا تستند إلى أسس ثابتة، وكانت مزيجًا من الخطط العسكرية التي دافعت عن فكرة إقامة دولة فيدرالية تلم الولايات المشكِّلة لها تحت جناح دستور وهيكل، ودخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية خلوًا من أية استراتيجيات سوى الانضمام إلى ركب الدول الكبيرة، فاشتركت في الأحلاف التي قامت ضد المعسكر النازي آنذاك؛ فمبادئ مثل القدر المرموق أو المصلحة الذاتية المستنيرة، ومبدأ منرو وخطاب مسيرة الراية ومبدأ الحرب العادلة فهذه المسميات أقرب إلى فكر متعمق في الوجدان الأمريكي كميراث عن الآباء المؤسسين أكثر من اعتباره فكرًا استراتيجيًا مؤسسيًا سياسيًا.

u الاستراتيجيات الأمريكية في الحرب الباردة:

ولكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الولايات المتحدة في وضع الانفراد بالهيمنة على العالم كهدف نهائي تسعى إليه، ومن خلاله توجه استراتيجياتها الدولية، فقدم جورج كينان عام 1947م أولى هذه الاستراتيجيات التي تركزت على نظرية الاحتواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت