فهرس الكتاب

الصفحة 5407 من 27364

صالح بن عبدالرحمن الحصيِّن 6/6/1424

قال الله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة...) [النساء:3] .

هذه الآية واحدة من بضع آيات في سورة النساء جاءت لحماية حقوق اليتامى ذكوراً وإناثاً.

وفرض قيام المجتمع لهم بالعدل، والتحذير من الإخلال بذلك، والهداية إلى الوسائل التي تكْفُل العدل في اليتامى بإيفائهم حقوقهم على المجتمع أو على أفراد معينين فيه.

والنصّ الكريم مؤلف ـ كما قال الإمام القرطبي في تفسيره ـ من جزأين؛ شرط هو: (إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى) وجوابه: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) .

وأوَّل ما يتبادر إلى ذهن السامع والقارئ لهذا السؤال: ما هي العلاقة بين الشرط والجواب؟

ا هي العلاقة بين الإقساط في اليتامى ـ أي العدل فيهم بإعطائهم حقوقهم ـ وتعدد الزوجات؟

كيف يكون تشريع تعدد الزوجات مقتضياً وموجباً للعدل في اليتامى؟

في الإجابة عن هذا السؤال وعند الرجوع إلى التفسير بالمأثور، نرى أنَّ الإمام ابن جرير رحمه الله أورد في تفسير هذه الآية الكريمة وبيان سبب نزولها أربعة أقوال للسلف مختلفة، ولكن اختلافها اختلاف تنوع لا اختلاف تعارض وتضاد، وهي في هذا الاختلاف محكومة بالقاعدة المعروفة: أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأنَّ القول بأنَّ آية معينة نزلت في كذا قد يعني أنَّ هذا الوضع يشمله معنى الآية المعينة وحكمها، ولا يعني أنَّها لا تشمل وضعاً آخر.

والمقصود بـ (اليتامى) في الآية في ثلاثة أقوال من الأقوال الأربعة: الذكور والإناث.

وفي تفسير القرآن ينبغي الحذر من التجاوز عن التفسير بالمأثور أو ما اختاره أئمة التفسير المعروفين، ولكن ذلك لا يمنع عند تدبر القرآن من استلهام معان يمكن أن يتناولها اللفظ من حيث اللغة ولا تتعارض مع أحكام الشرع.

ومن هذا المنطلق ربما تكون الدلالة اللفظية المجرَّدة للنص الكريم مشيرة إلى الحكمة من تشريع تعدد الزوجات، ولا شكَّ أنَّ الواقع العملي يثبت وجود علاقة قوية وأكيد وظاهرة بين وجود تعدد الزوجات في المجتمع، وضمان حقوق اليتامى بوجه عام، توضيح ذلك فيما يلي:

لا يستطيع المجتمع أن يقوم بما فرضه الله عليه من الوفاء بحقوق اليتامى بمجرَّد إيجاد (دور أيتام) كافية لاستيعاب أعدادهم:

أولاً: لأنَّ لدُور الأيتام سلبيات كثيرة لا يبرر التسامح تجاهها إلا قيام الضرورة لوجود (دُور الأيتام) وعدم البديل لها.

وثانياً: لأنَّ لليتيم حاجات تتجاوز حاجة الجسم من الأكل واللباس والمأوى؛ حاجات عاطفية ونفسية وتربوية لا تقلّ في أهميتها عن الحاجات الجسمية، والواقع العملي وأحكام الشرع (الإسلامي) تظهر أنَّ هذه الحاجات في الغالب تُلبَّى عندما تتزوج أمُّ اليتيم فيكون لليتيم في هذه الحالة أب بديل وجوّ أسريّ بديل وإخوة وأخوات من أمه، وتكون علاقة زوج الأم بربيبه أو ربيبته (أولاد الأم من الزوج السابق) مشابهة في الغالب لعلاقته بأولاده لصلبه، حتى إنه يحرَّم عليه شرعاً الزواج بربيبته، كما يحرم عليه الزواج من ابنته.

وقد تنبَّهت بعض الشعوب بفطرتها إلى هذا الأمر، فوُجد مثلاً تقليد لدى القبائل الأفغانية يلتزم فيه الأفغاني، سواء كان أعزب أو متزوجاً، بالزواج من أرملة قريبه بعد وفاته؛ حماية للزوجة ولأولادها، ولذلك كان مما يلفت النظر أثناء الحرب الأفغانية الروسية، ومع وجود الأعداد الهائلة من الأيتام، عدم قيام الحاجة الظاهرة لإنشاء دُور الأيتام.

وصار همّ دُور الأيتام القليلة ـ التي أنشأها المحسنون بحماس ـ أن تتصيَّد الأيتام تصيّداً.

والواقع يظهر أنَّ أمّ الأيتام في الغالب لا تتزوَّج إلا في مجتمع يكون فيه الطلب على النساء كثيراً والعرض قليلاً، وهذا الوضع لا يتحقق عادة إلا في مجتمع يشيع فيه تعدد الزوجات.

في مثل هذه المجتمع وحده تتاح فرصة الزواج لكل امرأة مهما كان لديها من موانع الرغبة فيها كزوجة؛ مثل أن تكون أرملة مصبية، أي ذات أولاد.

وبالعكس فإنَّ المجتمعات التي لا يشيع فيها تعدد الزوجات، تتحدد فيها فرصة الأرامل في الزواج، حتى إنَّه مع مرور الوقت يصبح زواج الأرملة عيباً أو محرَّماً بحكم التقليد، كما هو الحال في القارة الهندية.

معنى ما تقدَّم أنَّ شيوع تعدد الزوجات في مجتمع ما، يجعل الطلب على النساء في ذلك المجتمع كبيراً، فحتى الأرملة ذات الأيتام سوف تجد الرجل المناسب الذي يرغب في زواجها، فإذا تزوَّجت فاء ظلّ الأب البديل على أولادها اليتامى ونعموا بالجوّ الأسري كأيّ أطفال عاديين لم يُصابوا بفقد أبيهم، وبذلك يتحقق في هذا المجتمع الوفاء لليتيم بحقوقه، أو كما جاء في الآية الكريمة (الإقساط فيه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت