فهرس الكتاب

الصفحة 16445 من 27364

صخرة الخلاص

قد يتعجب البعض حينما يقرأ هذا العنوان الغريب، أيعقل أن يكون الخائن الغادر (ابن العلقمي) مظلوماً، وكل قراءاتنا السابقة المبنية على الدراسات التاريخية الموثقة، تؤكد وتصر على أن (ابن العلقمي) كان مجرماً خائناً غادراً لمن وثق به، فعاد مرتداً يقطع اليد التي أحسنت إليه!

أقول: لا زلتُ أرى أن (ابن العلقمي) مظلوماً حينما وصف بالخائن الغادر، ولم يتأمل من وصفه بالغدر والخيانة أمراً مهماً قد يعود على بعض أهل السنة بنفس هذا الوصف!

نعم..!

اعتقد أن سقوط بغداد عام 656هـ كان بالدرجة الأولى خيانة من قبل من ينتسبون للسنة، قبل أن تكون خيانة من قبل (ابن العلقمي) الشيعي المذهب.

وفي اعتقادي أن هذا الأمر في غاية الوضوح والبساطة بحيث لا يحتاج معه إلى أي برهان، فالخليفة العباسي كان من السنة، وأغلب الفقهاء كانوا من أهل السنة، والجميع كان يعرف جيداً ملابسات الصراعات الطائفية، وما كان يحصل بين الكرخ (الحي الشيعي) وبين بعض أحياء بغداد السنية، كما لا أشك لحظة واحدة أن فقهاء السنة والمثقفين العباسيين كانوا على اطلاعٍ عميق بالفقه الشيعي الإمامي الخاص بالموقف من الآخر، وعليه: فكيف يعين الخليفة مثل (ابن العلقمي) كوزير أعلى له؟! ولم سكت الفقهاء والعلماء!

إنني لو سألت أي عاقلٍ -بل نصف عاقل- عن رجلٍ أتى بكلبٍ مسعورٍ إلى داره، وأدخله على أطفاله الصغار بحضور كبار أهل الدار، ثم أغلق الدار على الأطفال وحدهم، وجعل الكلب يصول ويجول في الدار، ثم بعد برهة من الزمن وجدوا جميع الأطفال قتلى ممزقين أشلاءً!

يا سادة.. هل من المعقول أن يُصف الكلب المسعور بالخيانة والغدر؟! أم أن صاحب الدار والعقلاء هم الذين خانوا الأمانة، وغدروا بالناس!

إنني اعتقد أن (ابن العلقمي) مظلوماً مثله مثل ذلك (الكلب المسعور) ، فحينما وجدَ الفرصة مناسبة انقض على مخالفيه هتكاً وتمزيقاً، فلا لوم على (ابن العلقمي) الشيعي، لكن اللوم كله على من قربه وهو يعلم أن (ابن العلقمي) ليس إلا شيعياً مخلصاً وأميناً لتعاليم التشيع، وأنه إنما طبق أخلاق مذهبه بكل أمانة وصدق، فأي لوم عليه؟!

إن سقوط بغداد عام 656هـ كان نتيجة لإتمان الخائن، والوثوق بالغادر، وتقريب الماكر، والوثوق بأهل التقية، والتاريخ يعيد نفسه، ولن يرحم هؤلاء الذين يحملون (الدريل الشيعي) أي رأس سني متى ما سنحت لهم الفرصة، حتى لو كان طفلاً سنياً رضيعاً!

أليس الخائن والغادر والمجرم من وثق بهؤلاء تحت التسامح، أو الوطنية، أو القومية، أو العلمانية، أو أي مسمى أو شعار؟

ابن العلقمي .. يقدم خدمات جليلة للإسلام!

يتجنى على نفسه من يظن أن (ابن العلقمي) كان صوتاً نشازاً أو أنه اجتهد اجتهاداً فردياً حينما اتصل بالتتار وتحالف معهم سراً من أجل إسقاط الخلافة الإسلامية، وقتل ملايين المسلمين!

كلا يا سادة!

فقد كان الرجل يؤمن إيماناً حقيقياً بأخلاق التشيع الإمامية التي تملي عليه أن يتظاهر بالموادعة والتسامح والإخلاص بالقول حينما تكون القوة بأيدي أهل السنة، لكن حينما تحين الفرصة للانقضاض وتمزيق المسلمين حينها يجب أن يساهم كمؤمن مخلص بدوره الريادي كرئيس للوزراء.

فقد ذكر (قطب الدين اليونيني البلعبكي) أن (ابن العلقمي) كاتب التتر وأطمعهم في البلاد وأرسل إليهم غلامه وأخاه بذلك. [1]

وذكر (الإمام الذهبي) أن (ابن العلقمي) استطاع أن يقطع أخبار الجند الذين استنجدهم بهم المستنصر، وأنه بذل جهده في أن يزيل دولة بني العباس ويقيم علوياً، وأخذ يكاتب التتار ويراسلونه. [2]

وذكر (اليافعي) أن التتار دخلوا بغداد ووضعوا السيف واستمر القتل والسبي نيفًا وثلاثين يوماً، وقل من نجا، وسبب دخولهم أن ابن العلقمي كاتبهم وحرضهم على قصد بغداد ليقيم خليفة علوياً، وكان يكاتبهم سراً، ولا يدع المكاتبات تصل إلى الخليفة.

ثم ذكر (اليافعي) أن ابن العلقمي خدع الخليفة وأوهمه أن التتار يريدون عقد الصلح معه وحثه أن يخرج إليهم بأولاده ونسائه وحاشيته، فخرجوا فضربت رقاب الجميع، وصار كذلك يخرج طائفة بعد طائفة، فتضرب أعناقهم حتى بقيت الرعية بلا راع، وقتل من أهل الدولة وغيرهم ألف ألف وثمان مائة. [3]

ويقول المؤرخ الشيعي (نور الله الششتري المرعشي) ما نصه عن حقيقة الدور الذي لعبه ابن العلقمي: ( إنه كاتب هولاكو والخواجه نصيرالدين الطوسي، وحرضهما على تسخير بغداد للانتقام من العباسيين بسبب جفائهم لعترة سيد الأنام r) . [4]

ويقول العالم الشيعي (الخوانساري) عند ترجمته لنصير الدين الطوسي ما نصه:

(ومن جملة أمره المشهور المعروف المنقول حكاية استيزاره للسلطان المحتشم هولاكو خان ، ومجيئه في موكب السلطان المؤيد مع كمال الاستعداد إلى دار السلام بغداد لإرشاد العباد وإصلاح البلاد ، بإبادة ملك بني العباس ، وإيقاع القتل العام من أتباع أولئك الطغام، إلى أن أسال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار، فانهار بها في ماء دجلة ، ومنها إلى نار جهنم دار البوار) ! [5]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت