فهرس الكتاب

الصفحة 16446 من 27364

إن هذا التصرف من (ابن العلقمي) كان طبيعياً يمليه الإيمان الإمامي والأخلاق الشيعية، التي تحث على إظهار ما ليس في الباطن وخداع الآخرين من أجل مصلحة المذهب العليا!

فهذا إمام الشيعة المعاصر (الخميني) يقول بكل صراحة ما نصه: (إذا كانت ظروف التقية تلزم أحداً منا بالدخول في ركب السلاطين فهنا يجب الامتناع عن ذلك حتى لو أدى الامتناع إلى قتله، إلا أن يكون في دخوله الشكلي نصر حقيقي للإسلام والمسلمين مثل دخول علي بن يقطين ونصير الدين الطوسي رحمهما الله) . [6]

أما خدمة (نصير الدين الطوسي) فقد عرفها الجميع حينما قدم مع التتار لإبادة بغداد، أما خدمة علي بن يقطين للإسلام فندع بيانها لأحد علماء الشيعة (نعمة الله الجزائري) وملخصها كما ذكر: أن علي بن يقطين كان مسؤولاً في الدولة العباسية، وسنحت له الفرصة لقتل خمسمائة سني وصفهم بقوله: (جماعة من المخالفين) فقتلهم بأن هدم عليهم سقف السجن فماتوا كلهم، فأرسل يستفسر عن عمله عند إمامه المعصوم فأقره على عمله وعاتبه أنه لم يستأذن، وجعل كفارة كل رجل من أهل السنة (تيساً) وقال: والتيس خير منهم. [7]

يقول العالم الشيعي (نعمة الله الجزائري) معلقاً على هذه الحادثة:

(فانظر إلى هذه الجزيلة التي لا تعادل دية أخيهم [أهل السنة] الأصغر وهو كلب الصيد، فإن ديته عشرون درهماً، ولا دية أخيهم الأكبر وهو اليهودي) . [8]

أرأيتم يا سادة!

لقد كان (ابن العلقمي) يؤدي خدمة للمذهب الشيعي الذي آمن به من كل أعماق قلبه، فلا لوم عليه ألبتة، لكن كل اللوم على الخليفة الذي جعل منه وزيراً مؤتمناً!

وللموضوعية العلمية، أقول: لم يكن (ابن العلقمي) وحده في تأدية الخدمات الجليلة للمذهب الشيعي، بل كان كل شيعة بغداد يؤدون الخدمات الجليلة!

فقد ذكر المؤرخ (رشيد الدين الهمداني) والمؤرخ (أبو المحاسن) أن الشيعة في: الكرخ، والحلة، وبغداد، خرجوا في استقبل هولاكو استقبال الفاتحين الأبطال، والتحق كثير من الشيعة بجيش المغول، وأقاموا الأفراح ابتهاجاً بهم! [9]

ومن الخدمات الجليلة التي قدمها (نصير الدين الطوسي) تلك الرسالة التي كتبها -بوصف وزيراً (لهولاكو) - إلى أهل السنة في الشام، يهددهم فيها ويتوعدهم إن لم يدخلوا في طاعة التتار، أن سوف يفعل بهم كما فعل في بغداد!!

يقول الطوسي: (اعلموا أنا جند الله، خلقنا من سخطه، فالويل كل الويل لمن لم يكن من حزبنا، قد خربنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، فإن قبلتم شرطنا، وأطعتم أمرنا، كان لكم مالنا، وعليكم ما علينا) . [10]

وهذا عميد الطائفة الشيعة في بغداد وقت سقوطها الشهير (بابن طاووس) -والذي يذكرنا بآية الله السستاني- يعلن عن فرحته بدمار دولة الإسلام ويسميه فتحاً، ويترحم على هولاكو. حيث يقول:

(يوم ثامن عشر محرم وكان يوم الاثنين سنة 656هـ فتح ملك الأرض - يقصد هولاكو- زيدت رحمته ومعدلته ببغداد) . [11]

وذكر المؤرخ (ابن الطقطقي) أن (ابن طاووس) أصدر فتوى لهولاكو يفضيل فيها العادل الكافر على المسلم الجائر!! [12]

ويقول العالم الشيعي (علي العدناني الغريفي) معلقاً على هذه الحادثة: (وقد نال ابن طاووس بفتياه هذه مقاماً كبيراً في نفس الكافر المحتل) . [13]

ومكافأة له قام هولاكو بتعيينه مرجعاً للشيعة، يقول (ابن طاووس) نفسه: (ولم نزل في حمى السلامة الإلهية، وتصديق ما عرفناه من الوعود النبوية، إلى أن استدعاني ملك الأرض -هولاكو- إلى دركاته المعظمة جزاه الله بالمجازات المكرمه في صفر، وولاني على العلويين والعلماء والزهاد، وصحبت معي نحو ألف نفس ومعنا من جانبه من حمانا إلى أن وصلت"الحلة"ظاهرين بالآمال) . [14]

وذكر (ابن مطهر الحلي) أن أباه والسيد محمد ابن طاووس والفقيه ابن أبي العز، أجمع رأيهم على مكاتبة هولاكو، بأنهم مطيعون داخلون تحت دولته. وأن هولاكو سألهم: لماذا تخونون خليفتكم؟!

فأجابه والد (ابن مطهر الحلي) بأن رواياتهم المذهبية تحثهم على مبايعتك وخيانة الدولة السنية، وأنك أنت المنصور الظافر!

ويعلق (ابن مطهر الحلي) على قصة والده: ( فطيب قلوبهم وكتب فرماناً باسم والدي يطيب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها) . [15]

إذن يا سادة.. ليست القضية سطحية وساذجة، ليقال: خيانة (ابن العلقمي) ! وكأنه وحده هو الخائن من تلقاء نفسه وعندياته، بل الرجل والطائفة ومراجعها قامت بخدمات جليلة يحث عليها التشيع وتؤكدها النصوص الدينية الشيعية.

ابن العلقمي .. المؤمن الصادق!

لم يكن (ابن العلقمي) إلا ذلك الشيعي المؤمن المخلص لمذهب يطبقه كما قرره كبار علماء الشيعة الإمامية تجاه المخالفين لهم.

فهذا الشيخ المفيد -شيخ الشيعة في عصره- يقول حاكياً إجماع الشيعة في موقفهم تجاه المخالفين: (اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأنّ على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب، وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار) . [16]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت