فهرس الكتاب

الصفحة 22156 من 27364

د.أحمد الريسوني 2/11/1423

إن منهج المراجعات للحركة الإسلامية من التطور الإيجابي الذي ينبغي أن نمضي فيه وأن نعيش في المجتمع المسلم بشفافية أكثر وضوحاً في كل قضايانا، وأن نشرحها ونخرج كثيرا منها من الدهاليز والكواليس لنتحدث منها في فضاء رحب وواضح. وموضوعنا هذا يمكن أن يكون قراءة فكرية لبعض جوانب الحركة الإسلامية ، ويمكن أن نعتبره قراءة نقدية لمسارها وفكرها.

والموضوع ذو طبيعة منهجية، أي يتناول الجانب المنهجي، فلذلك أحرص وأريد أن أتلمس جوانب من منهج الإسلام في الإصلاح، ومنهجه في الدعوة، ومنهجه في التغيير والبناء..وهذا جانب نظري وعام، وليس خاصا بالحركة الإسلامية ، ولا بهذا الزمن، فهو نوع من الفقه بالدين من خلال أمثلة وواقع معين للحركة الإسلامية والدعوة الإسلامية. فقد أصبحت هذه الأخيرة اليوم ملء السمع والبصر في كافة المجتمعات وفي العالم كله. أي أصبح من حقنا جميعا ومن حق كافة المواطنين والمهتمين أن يناقشوا هذه الحركة ويسهموا في تطويرها وإبداء الآراء حول مسارها، وفي هذا السياق يأتي موضوع"الحركة الإسلامية بين الشرعية والوضعية".

ما المقصود بالمنهج الشرعي والمنهج الوضعي؟

أولا: المنهج الشرعي:

أعني به في موضوعنا هذا مجموع الأساليب والطرائق والأشكال التي يتبعها المسلم في دعوته وقضاياها وإنجازاتها، وتجاوز إشكالاتها... والمنهج الإسلامي لكي يكون شرعيا ينبغي أن يكون منبثقا من الشرع ومستنبطا منه، وهذا معنى أنه شرعي، أي منسجم مع الشرع... وسواء تعلق الأمر بالتفكير أو التسيير أو اتخاذ مواقف سياسية فإن هناك منهجا. والمنهج الشرعي يشمل الفكر والقول والعمل ، ويشمل كذلك الأحاسيس والعواطف ؛ فالعواطف تخضع لمنهج الشرع أيضا ومن ذلك قوله تعالى: (فيومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) فهذا فرح شرعي ، وقد يكون هناك فرح غير شرعي: (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) فالمنهج الشرعي عند الحركة الإسلامية يقتضي أن تكون أفكارنا وطريقة تفكيرنا وأولوياتنا مبنية على الشرع.

ثانيا: المنهج الوضعي:

وأعني بالمنهج الوضعي ما يقصد بهذه الكلمة في الوقت الحاضر، فهو يحتمل معنيين، الأول: ما وضعه الناس وليس منزلا ولا موحى به . الثاني: وضعي بمعنى مطبق ومعمول به ، فهو موضوع موضع التنفيذ.

والذي أعنيه هنا هو ما لم يستمد من الشرع وكان متنافيا معه، من عادات الناس وسلوكاتهم. وللكلمة معانٍ أخرى ليس الآن محل تحديدها.

أما عن هذا التركيب:"الحركة الإسلامية بين المنهج الشرعي والوضعي"فهو إيحاء"وهذا ما أقصده وأعنيه فعلا- بأن الحركة الإسلامية متأرجحة بين بين... تأخذ من المنهج الشرعي ولكنها أيضا لا تخلو من الوقوع تحت تأثير مناهج وضعية تروج في المجتمع، وربما لا علاقة لها بالشرع ولا أصل لها فيه !! وإنما وجدت في الممارسات السياسية وفي الثقافات السائدة المحلية أو الوافدة . فالحركة الإسلامية رغم أنها إسلامية ، قامت للدعوة للإسلام، وتتحرك للإسلام، وتدافع عن الإسلام ، فإنها عرضة للمنهج الوضعي والتأثر به. والمنهج الوضعي ليس كله شرا، ولكنه إذا كان غير متقيد بالشرع فإنه يكثر فيه الخلل والزلل وربما (الضلال) ، ولكن قد يكون فيه قدر من الصواب والحق. وأريد أن أركز هنا على ما في المنهج الوضعي من اختلالات تمتد آثارها إلى المفكرين والدعاة والحركات الإسلامية فتتبناها بوعي أو بغير وعي، إذ إننا قد نجد حركة إسلامية بمناهج غير إسلامية، وهذا أحد عناصر وأسباب الخلل والتعثر الذي تعاني من مناهج الحركة الإسلامية هنا أو هناك ."

وهذه بعض مظاهر المنهج الوضعي الذي تقع فيه الحركة الإسلامية أو بعض مكوناتها:

1/ إهمال الأصول والتركيز على الفروع:

إن الفروع تفرض نفسها من خلال الواقع، ولأنها تمثل القضايا اليومية التي تتناسل وتتوالد كل يوم، فحينما تنشغل الحركة الإسلامية وتنهمك في هذه القضايا سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو سياسية أو إعلامية مع إهمال الأصول، وتركز على ما هو آني ولحظي، وتشتغل كما يشتغل البناء والتاجر.. وتنهمك في الجزئيات انهماكا كبيرا أو تاما وتهمل الأصول، فهذا معناه أنها قد تأثرت بالمنهج الوضعي ؛ لأن هذا المنهج ليس له أول، إنما هو فروع ومطالب وتداعيات تسير بلا أصول . والحركة الإسلامية يجب أن تتميز رسالتها ؛ لأن لها أصولا متى ما أغفلتها أو همشت مكانتها وقيمتها تكون بذلك قد انزلقت إلى منهج وضعي لا أصول له، وهذا اختلال أول يمثل سقوطا في منهج لا تهمه إلا أسعار البترول والرواتب والضرائب.. وهي أمور رغم أن لها مكانة في ديننا إلا أنه لا ينبغي لعلماء الأمة ودعاتها ، وللحركة الإسلامية أن يتركوها تزاحم الأصول والثوابت في مكانتها ووزنها.

2/ التقصير في الثوابت وتعظيم المتغيرات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت