إن الثوابت لا توجد في الدين فقط ولكن الحياة لها ثوابتها، ومن ثوابتها نظام الأسرة، والعلاقة بين الرجل والمرأة ، والعلاقة بين العبد وربه ، والأخلاق التي تعتبر من الثوابت التي لازمت الإنسان منذ وجوده الأول . إذن إن هناك ثوابت لابد من الاشتغال بها وتثبيتها كتثبيت الأصول، ومن الخلل والزلل إهمال هذه الثوابت والتقصير في حقها لمصلحة الاختيارات والمواقف والمميزات السياسية أو التنظيمية أو الظرفية.
ولكننا نجد في القرآن ما لا يحصى من النصوص التي تدل على أن الآخرة هي الأولى: (وللآخرة خير لك من الأولى) ، (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو) , فيجب على الحركة الإسلامية أفرادها أن يوجهوا الناس وأن يعطوا اهتماما أكبر للآخرة، فالناس يهتمون بالدنيا بدافع الفطرة والغريزة، أما الآخرة فقد تمر على الإنسان سنون أو شهور من عمره دون أن يفكر فيها. والحركة الإسلامية تقع في خطأ حين تساير الأحزاب بالانشغال الطاغي بالأمور الدنيوية ؛ لذلك يجب عليها أن تعيد التوازن المطلوب من خلال محاضراتها ومواقفها وخطاباتها، حتى لا تتحول إلى حركة دنيوية ترجح كفة الدنيا واتباع المنهج الوضعي بدل المنهج الشرعي !!
3/ غلبة الاعتبارات الحزبية على المقتضيات الإيمانية:
من المعلوم أن الإنسان عندما يكون عضوا في حزب فهو يدافع عنه بالحق وبالباطل، ويشوه خصمه بالحق وبالباطل، ويتعصب لحزبه كيفما كان ، ويدور معه كيفما دار. إن هذه الأعراف الحزبية باطلة في الشرع. وإذا أصبح أهل الحركة الإسلامية يمارسون شيئا من هذا، فذلك انزلاق نحو المنهج الوضعي . فإذا كانت الأحزاب تكيل بمكيالين فالشرع ليس فيه مكيالان, بل إن الإسلام كان أول من انتقد هذا المنهج في سورة المطففين حينما قال تعالى: (ويل للمطففين الذي إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) , فالكيل بمكيالين قديم قدم الجاهلية، والإسلام يستنكره. والميزان الذي يجب أن يحاسب به الإنسان نفسه يجب أن يكون هو الميزان الذي يحاسب به الآخرين، لكن السائد هو كثرة الانتقادات والاتهامات والتشنيعات للآخرين ، بنسب مئوية عالية، ومقابل ذلك تجد التمجيد والثناء والتبجيل للذات وللجماعة وللرئيس وللاختيارات !! إن المسلم إذا أراد أن ينتقد فعليه أن يبدأ بنفسه قبل غيره، ويحاسب ذاته أكثر مما يحاسب غيره . ونجد أن عدداً من العلماء كانوا يتساهلون مع غيرهم في بعض الأمور التي يستفتون فيها، وبالمقابل كانوا يشددون على أنفسهم.
في حين نجد في واقعنا أن الإنسان لا يوجه لنفسه أية انتقادات ولا ملاحظات، يستوي في ذلك الأفراد والجماعات والحركة الإسلامية، فتجد البعض يراقب غيره ويتتبع الحركة والسكنة، في حين لا تجده يلتفت إلى نفسه فأحر به أن ينتقدها.
4/ التشبث بالأسماء والظواهر وتضييع المسميات والجواهر:
نجد في حياتنا العامة حرصاً كبيراً على الشكليات والظواهر ولكن نجد العمق خرباً، وقد تسلل شيء من هذا إلى صفوف الحركة الإسلامية أو بعبارة أدق فإن الحركة الإسلامية تنزلق إلى ذلك. فالأمور التي تظهر للناس تحظى بحرص المسلم وعنايته واهتمامه، في حين تجد الأمور الباطنة على خلاف ذلك ، مع العلم أن المسلم ينبغي أن يكون ظاهره كباطنه إن لم يكن باطنه أفضل من ظاهره. ومما يؤسف له أن الكثير من المفكرين الإسلاميين يتحدثون عن الشورى وعن الديمقراطية، وتؤسس حركاتهم مجالس للشورى، في حين نجد على مستوى الممارسة الكثير مما يقع فيه الوضعيون من انحرافات كالتحايل لتمرير بعض المواقف والتصورات، في حين نجد أن الشورى في الإسلام معناها: أن المسلم يتشاور مدفوعا برغبة صادقة في أن يعرف الحق. فإذا كان العلماء والمفكرون يقسمون الشورى إلى معلمة وملزمة، فأنا أقول: إن هناك أيضا الشورى المؤلمة التي حافظت على الشكل وضيعت الجوهر وبالتالي فهي تؤدي إلى نتائج عكسية وحزازات وحساسيات ؛ إذ كيف يعقل أن يأتي الإنسان ليستشير وهو عازم مسبقا على الانتصار لفكرة أو رأي معين، مستعملا في ذلك جميع الوسائل ، ومعرضا عن الآخرين ، وأحيانا يقوم بحملة مضادة في مواجهتهم ؟! فهذا إفساد للشورى وقتل لها وسقوط في منهج وضعي.
إن المسلم عليه أن يأتي للشورى كما يأتي إلى القرآن الكريم وإلى السنة النبوية، يطلب الصواب والحق والحكمة. وقد علمتنا بعض الجماعات وبعض الدعاة كيف أن الإنسان يجب عليه أن يتمنى حين يستشار أن يؤخذ برأي غيره ، وشبيه بهذا ما روي عن الإمام الشافعي: (ما ناظرت أحدا، إلا تمنيت أن يخرج الله الحق على لسانه) فالمسلم يجب عليه أن يخضع للحق ويذعن له.
5/ التفسير التآمري للأحداث:
إن هذه العيوب نتجت عن كون الحركة الإسلامية المعاصرة حينما دخلت ميدان التغيير والإصلاح وجدت منافسة من الحركة اليسارية، فاقتبست وتأثرت كثيرا بهذه الحركة في مناهجها الوضعية، وتجلى ذلك في أخذ الحركة الإسلامية بما يكن أن نسميه بالتفسير التآمري للأحداث.