إن هذا المنهج يميز الحركة اليسارية القائمة على التآمر والصراع، لأن اليساريين والماركسيين والشيوعيين يعتبرون الحياة منذ بدء الخليقة كلها صراع في صراع ، ففكرة الصراع تهيمن عليهم، وكل تصرف يصدر عن غيرهم يرون فيه تآمرا عليهم. والحركة الإسلامية لم تسلم من بعض تأثيرات هذا المنهج، فقد أخذت بهذه الفكرة وتعززت عندها بكثرة ما تعرض له المسلمون من المكائد والمؤامرات، ولكن المشكلة تكمن في أن الإنسان ينظر إلى تصرف الآخر على أنه - دائما - تآمر ضده، وقد كان الطلبة الشيوعيون في فترة السبعينيات يقولون حينما تهطل الأمطار بغزارة ويكون الموسم الفلاحي مزدهرا بأن الطبيعة تتحالف مع النظام ؛ لأنهم كانوا يتمنون الجفاف لكي تتأزم الأوضاع الاقتصادية ويحدث الصراع الطبقي ويثور الناس. والحركة الإسلامية لم تسلم كذلك من هذا، فأصبحت كل التصرفات وكل الإجراءات تفسر تفسيرا تآمريا ينسب إلى النظام تارة وإلى الولايات المتحدة الأمريكية أو الصهيونية تارة أخرى. وأنا أقول بأن المؤامرات غير موجودة، ولكن الخطر يكمن في أن تصبح عقليتنا آلية تفسر كل شيء بالتآمر، فهذا منزلق خطير يجر إلى متاعب ومشاكل خطيرة. فليس صحيحا أن كل ما يفعله الآخرون مؤامرات موجهة ضد الإسلام والمسلمين وضد الحركة الإسلامية ، والمسلم مطالب بأن يأخذ الأشياء على حسن الظن، فإذا ثبت العكس أخذ به . إن التفسير التآمري خاطئ من الناحية الأخلاقية والأدبية وحتى الواقعية، ويؤكد هذا ما ثبت من أن الكثير مما كان يظن بأنه مؤامرات ومكائد تبين أنه لم يكن سوى أوهام. بالإضافة إلى أن الكثير مما بنا من كسب أيدينا، وكثير مما يفعله الآخرون لا علاقة له بنا. إذن فالمنهج العلمي أولا والأخلاقي ثانيا والواقعي ثالثا يقتضي أن يكون الشخص أو الحركة متبصرا لا من هواة الاتهامات ؛ فالخطر كل الخطر في أن تصبح الحركات الإسلامية مصابة بهذا المرض، لأنه حينئذ سيصبح كل ما في الوجود عدوا لها فلا تستطيع أن تحسن الظن بأحد ، ولا تستطيع أن تمد الجسور مع أحد ، ولا تستطيع أن تجد قواسم مشتركة مع أحد، وهذا فعلا جر على الحركة الإسلامية كما جر على الحركة اليسارية من قبل المحن والابتلاءات بلا حدود. فهذا المنهج غير شرعي أصلا وهو كذلك غير علمي ولا واقعي.
إن المنهج الشرعي يعتمد على التثبت والأخبار الصحيحة الموثوقة، وما لم يكن موثقا فهو مرفوض أو على الأقل نتوقف حتى نتثبت منه.
6-تملق الناس وخداعهم:
إن رصيد الأحزاب السياسية والسياسيين وقوتهم ورزقهم وربحهم متوقف على مقدار شعبيتهم وعدد أنصارهم، لذلك كان من الأسس الثابتة في منهجهم تملق الناس بالحق والباطل، والمنهج الإسلامي لا يتملق أحدا، لأن من تملق أحدا أصبح في حاجة إليه ، فإذا كان الحزبي والسياسي حين يتملق الناس يعرف أن رصيده وانتصاره وفوزه وصعوده يتحقق بهم، فإن على الداعية ألا ينتظر شيئا من هذا، وأن يؤدي واجبه ويمضي في سبيله دون تملق للناس ولحركة الإسلام التي هدفها إرضاء الله تعالى والتقرب إليه . ينبغي أن تجامل في الحق والصواب وتقر الناس على ما هم عليه ؛ لأن الثقة الحقيقية ينالها من يصارح الناس ويصدقهم في القول والعمل ويبصرهم بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، ويكون صريحا معهم ؛ فليس من منهج الإسلام مسايرة الناس ومجاملتهم والسكوت عما يغضبهم !!
هذه بعض الملاحظات التي تقع فيها الحركات الإسلامية , والتي تؤدي إلى الخروج عن المنهج الشرعي في الدعوة والإصلاح ، والسقوط في المنهج الوضعي مما يفوت على الدعوة فرصا كثيرة !!