د. محمد بن سعود العصيمي (*)
تمثل التجارة الدولية العصب المركزي لاقتصاديات دول العالم. ومع هذه الأهمية، فقد مرت النظرية الاقتصادية التي تعنى بدراسة التجارة الدولية بمراحل تطورت من خلالها، بدءاً بالنظريات التي كانت ترى الاكتفاء الذاتي لكل بلد أمراً ممكناً. بل مرغوباً فيه من الناحية الاقتصادية؛ وعليه فلا داعي للتجارة الدولية؛ وهو ما يستدعي فرض قيود عليها. ووصولاً إلى النظريات الحديثة التي ترى التوسع في التجارة البينية بين دول العالم، وأنها تزيد من رفاه العالم والدول المشاركة فيها على حد سواء؛ فلا بد من تحريرها من القيود.
وتاريخياً، وبناءً على الواقع السياسي والحربي لدول العالم، كانت التجارة الدولية تمر بموجات من المد والجزر في مجال الحمائية (ويقصد بها وضع موانع غالباً ما تكون مصطنعة أمام انسياب السلع من خارج البلد مثل الجمارك والقيود الكمية والنوعية على الواردات) . فقد كانت الحروب، ولا تزال، تشكل العائق الأول أمام انسيابية التجارة الدولية بسبب فقدان الثقة بين البلدان المتحاربة. وكان يصاحب قيام الحروب وقف تصدير واستيراد الذهب والفضة على وجه الخصوص بسبب كونهما نقوداً مقبولة في أنحاء كثيرة من العالم لقرون طويلة (أو غطاء إلزامياً للنقود الورقية إلى عهد قريب) . هذا هو السبب الأول الذي جعل أصحاب النظرية التجارية ينادون بالاكتفاء الذاتي وعدم القيام بعمليات تجارة عالمية؛ حيث إن فقدان المعدنين الثمينين في أوقات السلم يجعل البلد عرضة للضعف الشديد حال الحرب. ولذلك تزيد الموجات الحمائية (بفرض القيود المالية والكمية والنوعية) على التجارة بين البلدان أثناء وبعد الحروب. ولما تغير الوضع في النقود وأصبحت لا تصرف بالمعدن الثمين، خفَّت تلك الآثار من جهة، وزادت من جهة أخرى؛ فأصبحت الدول المتحاربة تتعامل بعملات قوية مصدرة في بلد غير مشمول بالحرب، لكن النقد الخاص بالدول المتحاربة قد يتلاشى للصفر. وآثار الحروب لا تتوقف على النقود، بل كثير من الأدوات الاقتصادية التي تعتمد على الثقة تتأثر تأثراً كبيراً بالحرب (1) .
ولذلك كانت الحربان العالميتان ذواتي أثر كبير على التجارة العالمية بناءً على ما سبق. وقد استدعى ذلك من قادة العالم (القادر على ذلك) المبادرة لتصحيح مثل تلك الاختلالات في سوق التجارة العالمية حتى لا تتضرر البلدان وخاصة المتقدمة بعد الحروب. وقد قامت جهود كثيرة من دول العالم المتقدم لتصحيح الخلل الناشئ من الحروب على التجارة الدولية بعد الحرب العالمية الأولى، ولكنها لم تلق الدعم الكافي من بقية دول العالم، وفتَّ في عضدها الكساد العظيم الذي ضرب أطنابه على الولايات المتحدة وأوروبا من عام 1929م حتى 1933م، وقيام الحرب العالمية الثانية فيما بعد. وكانت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية مناسبة للولايات المتحدة الأمريكية (البلد المنتصر في الحرب) لفرض سياستها على العالم، وتشكيل ما تريد تشكيله من المؤسسات والمنظمات العالمية التي تحل بها كثيراً من المشكلات التي نشأت من الحروب؛ بحيث تستفيد الاستفادة القصوى من تلك المنظمات. ومن هنا قامت منظمات دولية من أهمها: (منظمة الأمم المتحدة) والهيئات والوكالات التابعة لها، و (صندوق النقد الدولي) ، و (البنك الدولي للإنشاء والتعمير) . وكان الغرض منها ترتيب الشأن السياسي والاقتصادي والتمويلي في العالم. وفي تلك الحقبة نفسها، تم اقتراح إنشاء منظمة تعنى بالتجارة الدولية تسمى: (منظمة التجارة العالمية) . وبالفعل تم ذلك، وبدأت اللجان المشكلة العمل بها منطلقة مما عرف فيما بعد بـ (ميثاق هافانا) الذي كان يراد منه تنشيط العلاقات التجارية العالمية. ولكن هذه المنظمة لم تقم على سوقها، لاعتراض الكونجرس الأمريكي عليها نظراً لسحبها كثيراً من صلاحياته (1) .