د. مصباح الله عبد الباقي**
الرئيس الباكستاني برويز مشرف
التقى وزير خارجية باكستان"خورشيد محمود قصوري"بنظيره الإسرائيلي"سلفان شالوم"في أحد فنادق مدينة"إستانبول"بتركيا يوم 1 سبتمبر 2005، وقد تم ذلك بوساطة من"رجب طيب أوردغان"رئيس وزراء تركيا. وقال وزير الخارجية الباكستاني في مؤتمر صحفي بعد اللقاء:"إن الحكومة الباكستانية قررت أن تكون على صلة بإسرائيل"، بينما قال الوزير الإسرائيلي:"تريد إسرائيل أن تنشئ صلات جديدة بالعالم الإسلامي".
وحاولت الحكومة الباكستانية أن تخفي هذا اللقاء إلى آخر اللحظات؛ لخوفها من ردود الأفعال الشديدة من قبل الجماعات الدينية والسياسية لحساسية الموضوع، إلا أن وسائل الإعلام رتبت أكثر من برنامج حول قضية تطبيع العلاقات بين باكستان والكيان الصهيوني قبيل اللقاء، وكان يتوقع الناس حدوث شيء من ذلك؛ نظرا لهذا الاهتمام الإعلامي غير العادي.
الخلفية التاريخية
أسست باكستان سياستها تجاه إسرائيل على تصريحات مؤسسها الأول القائد"محمد علي جناح"التي أكد فيها حق الشعب الفلسطيني في استعادة أراضيه المحتلة عام 1948. وألقى وزير خارجية باكستان آنذاك"السير ظفر الله خان"خطبا مؤثرة في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. ولم تعترف الحكومة الباكستانية حتى وقت اللقاء الأخير بأي نوع من العلاقات بين باكستان وإسرائيل، وكانت تكذب كل الأخبار التي تنشر بهذا الخصوص.
لكن الأحداث التاريخية تثبت أنه كلما حدث تقارب بين باكستان وأمريكا أثّر ذلك إيجابيا على العلاقات الباكستانية الإسرائيلية على بعض المستويات. وكلما بعدت باكستان عن أمريكا انقطعت تلك الصلات.
ففي عام 1960 شارك السفير الإسرائيلي في"هولندا"في الاحتفالات باليوم الوطني الباكستاني بدعوة من السفيرة الباكستانية آنذاك"بيغم رعنا لياقت علي خان"زوجة"نواب لياقت علي خان"أول رئيس وزراء باكستاني.
وفي عام 1961 عندما كان ذو الفقار علي بوتو -والد بنظير بوتو- وزيرا للمعادن والبترول، وكان يرأس وفدا باكستانيا في اجتماع للأمم المتحدة، التقى بالمندوب الإسرائيلي، لكن قيل إنه لقاء غير رسمي؛ لأن والد المندوب الإسرائيلي كان قاضيا في"لاركانه"مسقط رأس بوتو في عهد الإنجليز، وكان صديقا للسير شاه نواز بوتو، والد ذو الفقار علي بوتو.
وقد ابتعدت باكستان عن أمريكا، ومالت إلى روسيا في عهد وزارة"ذو الفقار علي بوتو"في أوائل السبعينيات من القرن الماضي؛ حيث أيدت باكستان موقف الدول العربية في حرب 1973، وقطعت جميع صلاتها السرية بالكيان الصهيوني، وحظيت سوريا بتأييد كبير من الحكومة الباكستانية في ذاك الوقت لكون الحكومتين مرتبطتين بالاتحاد السوفيتي حينذاك.
ولما تولى زمام الأمور الرئيس"ضياء الحق"في أواخر السبعينيات، وبدأ الجهاد الأفغاني إثر الاحتلال السوفيتي، اقتربت باكستان من أمريكا لأنها في خط المواجهة الأول، وبدأت العلاقات الإسرائيلية الباكستانية تتحرك نحو التقارب، وكتبت وسائل الإعلام في حينه أن الاستخبارات الأمريكية (CIA) اشترت الأسلحة الخفيفة روسية الصنع التي كان الكيان الصهيوني استولى عليها أثناء حربه ضد الدول الإسلامية، خاصة ضد مصر في عامي 1967 و1973، وسلمت للاستخبارات الباكستانية لتسليمها للمجاهدين الأفغان، وتم شراء الأسلحة المصرية روسية الأصل بكمية كبيرة من قبل الاستخبارات الأمريكية، ونقلت إلى باكستان لتسليمها للمجاهدين.
وعندما اعترفت مصر بدولة الكيان الصهيوني، وقاطعتها الدول العربية، وألغيت عضويتها في منظمة المؤتمر الإسلامي.. كانت باكستان هي الوسيط بين مصر والدول العربية والإسلامية لإزالة الخلافات، وإعادة مصر إلى عضوية منظمة المؤتمر الإسلامي.
ولم يختلف الحال في عهد"نواز شريف"و"بنظير بوتو"؛ لأن الحكومتين كانتا قريبتين من أمريكا، وقد صرح بعض السفراء في عهدهما بوجود علاقات غير رسمية بالكيان الصهيوني، والتقاء"بوتو"بنفسها ببعض الوزراء الإسرائيليين.
ولما جاء انقلاب"برويز مشرف"في عام 1999 على حكومة"نواز شريف"المنتخبة، كان بحاجة ماسة للتأييد الأمريكي للاستمرار في الحكم. ومن هنا بدأت الحكومة الباكستانية بقيادته تتقدم نحو إقامة العلاقات بالكيان الصهيوني بخطى حثيثة؛ فقد صرح"مشرف"يوم 2 يوليو 2003 بعد لقائه بالرئيس الفرنسي في باريس:"إنني أريد إيجاد وحدة فكرية بين الشعب الباكستاني حول العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل..."، ثم التقى"مشرف"برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق"شمعون بيريز"في سويسرا أثناء المؤتمر الاقتصادي العالمي يوم 24 يناير 2004، ثم ألقى"مشرف"كلمة أمام البرلمان الآذري في أذربيجان يوم 9 يوليو 2004، قال فيها:"إننا نعترف بوجود إسرائيل على الأراضي التي كانت تحت تصرفها وسيطرتها قبل 1967، ونؤيد إنشاء دولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيل، ونؤكد على التعايش السلمي بين الدولتين".