عبد الحليم توميات
الخطبة الأولى:
إن التحدث"التنصير والمنصرون"أمر عظيم وخطر جسيم، خطر يهدد كيان المسلمين، وطوفان عظيم ينبغي لكل غيور على هذا الدين أن يحترز منه، هذا الطوفان الذي يحلو لهم أن يسموه: التبشير والمبشرون!!
وكلنا يعلم علم اليقين أنه مهما اجتهد المبطلون، وتحالف الكافرون والمجرمون فإنهم لن يمسوا الإسلام بمثقال حبة من خردل من سوء، فما مثلهم إلا كمثل غلام رمى البحر بحجر.
كناطح صخرة يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
قال الله - تعالى:"يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" [الصف: 8، 9] .
ولكننا نخشى على المسلمين، إننا نخاف عليهم من الوقوع في حبائل الكائدين، لذلك علينا أن نسعى جاهدين للقيام بواجب الذب عن دين رب العالمين، وكما أننا مستيقنون أن الله هو الخالق ثم نسعى إلى التناسل، وكما أننا موقنون أن الله هو الرازق ثم نسعى إلى ابتغاء الرزق، كذلك علينا أن نسعى إلى نصرة دين الله ونحن موقنون أنه مظهره وناصره، لذلك قال - تعالى - بعد هاتين الآيتين اللتين تلوناهما عليكم:"يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" [الصف: 10، 11]
فماذا عن التنصير؟ ولماذا اخترنا الحديث عن هذا الموضوع فجأة ؟
ألا فاعلموا ـ عباد الله ـ أن دعاة التنصير لا يخلو منهم بلد من البلدان، وفي هذه البلاد كان نشاطهم مكثفًا إلى حد بعيد في مناطق كبعض مدن القبائل والجنوب. أما اليوم، فإننا نراهم قد توغلوا أكثر فأكثر، ولا أحد ينكر، ولا أحد يغضب لله ويغار عليه.
انتشرت الرذيلة ونحن ساكتون، انتشرت الخلاعة ونحن صامتون، عمت الرشوة وفشت المعاملات المحرمة، واقتصرنا على دعوة الناس إلى الرجوع إلى الله بالتي هي أحسن كما أمر، والخير كله فيما أمر. ولكن لا يمكننا أبدًا أن نسكت على نشر دين غير دين الإسلام، لا يمكن بحال أن نسمح برواج شريعة غير شريعة الرحمان، لا نرضى أبدًا بالشرك بالله والكفر بالله.
لذلك ندعو اليوم قلب كل مؤمن غيور ننادي قلب كل من عرف الإسلام دينا وإقدامًا، وعملاً ورسالة، ولم يعرفه استسلامًا وجمودًا، وخوفًا وترددًا، إلى هذا القلب نقدم نُبذا عن التنصير في العالم بمعرفة تاريخه ووسائله وغايته.
التنصير دعوة إلى دين النصارى، وحركة دينية وسياسية واستعمارية ظهرت عند فشل الحروب الصليبية في مهمتها وهي القضاء على الإسلام ونشر النصرانية، فأول من حمل لواء هذه الدعوة الخبيثة الإسباني"ريمون لول"في القرن السادس عشر، فتعلم اللغة العربية، وجال في بلاد المسلمين ليدرك نُقط ضعفهم بحثًا عن وسائل إغرائهم وإغوائهم، ثم حمل اللواء بعده الألماني"بيتر هلينغ"الذي احتك بالمسلمين في سواحل إفريقية، فتنصر على يديه سنة 1721م مائة ألف مسلم.
ثم نهضت الحركة عن طريق إنشاء مدرسة جامعية تكون قاعدة للتنصير، تُعلم لغات الشرق لطلابها، ثم جاءت جمعية لندن التبشيرية وذلك عام 1795م، ثم أخرى في اسكتلندا فنيويورك فألمانيا فغيرها من البلدان الأوربية، حتى قاموا بإنشاء جمعياتٍ تبشيرية طبية، ونجحت نجاحًا باهرًا.
ولما كان الإسلام هو العدو الأول لنشر التنصير في العالم كما صرح به القس"بولس"حين قال:"إن الدين الإسلامي هو العقبة في طريق تقدم التبشير بالنصرانية في إفريقيا"، هنالك دخل المنصرون إفريقيا، واتفقت الجمعيات التبشيرية مع أقباط مصر سنة 1819م على إنشاء جمعية لنشر الأناجيل في إفريقيا، ورغم النزاع القائم بين الكاثوليك والبروتستانت لم يمنع ذلك من إنجاح مهمتهم.
ثم جاء دور شمال إفريقيا، فأنشؤوا لها"جمعية تبشير شمال إفريقيا"، فانتشر التبشير في الجزائر وتونس والمغرب، ولا نريد التحدث عن انتشاره في آسيا والهند فإن ذلك لا أظنه يخفى عليكم. المهم أنهم دخلوا الجزائر عام 1846م ولا يزالون إلى يومنا هذا، فقد عقدوا مؤتمرًا عام 1982م تحت شعار:"الإسلام دين الشيطان"قاتلهم الله، تدارسوا فيه الوسائل التي تمكنهم من الوصول إلى غايتهم.
فما وسائلهم تلك؟ وأين كان المسلمون حينذاك؟.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينًا، وأنزل إلينا قرآنًا مبينا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وكفى بربك هاديًا ومعينا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدّى الأمانة وبلغ الرسالة فكان مبلغًا صادقًا وأمينًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإننا سنسرد على مسامعكم عشرة وسائل يعتمدها المنصرون في دعوتهم ليكون كل منا على حذر: