محمد بن عبد الوهاب الطريري 25/7/1424
إن الناظر لمشهدنا الثقافي الراهن يرى التحولات الصاخبة في الخطاب الثقافي لمختلف الأطياف الفكرية، ما بين صراع ووفاق وحوار وإقصاء، ونعت بالعلمنة،ورمي بالجهل والرجعية، خلافاً لما هو سائد إلى وقت قريب، حيث كان الخطاب الثقافي بل والعلمي - في الجملة- ينحو اتجاهاً أحادياً عاماً لا ينازعه في طريقة فكر، ولا يؤرقه طرح مخالف.
وكان هذا الخطاب ينعم في طريقه بالأمن الفكري المستتب، فلم يعكر صفوه فكر معين، أو يعثر بأطروحات مختلفة، وكانت له أبجدياته المحددة والمقولبة التي لا تخرج عن قالبها الفكري المحدد واللفظي المحدد، وكأن الفكر قد وضع في إقامة جبرية، لا يخرج عن نطاق مكانه، واللسان كذلك فلا يجاوز عبارات محدودة تلائم القوالب الفكرية.
وكان مجرد الخروج عن هذا السياق يواجه بالويل والثبور وعظائم الأمور، إذ الجرأة على العرف المحلي جرأة على الدين، يجب قمعها بما يناسب حالها.
ولا ريب أن البيئة الهادئة والمنغلقة رعت هذا التوجه وحافظت عليه، غير أنه حصل تغير نوعي في هذه البيئة، وهو انتشار التعليم، وإيفاد البعثات إلى الخارج، والانفتاح الإعلامي الذي ألغى الحدود الجغرافية بين الدول، وطَرقَ العقول طرقاً عنيفاً، ساهم في صوغ ذهنية متسائلة؛ فكون هذا انحساراً للخط الأول، وهو انحسار نسبي، إذ لا يزال له حضوره؛ فحدثت خلخلة لمسلمات هذه الذهنية السائدة، وهي مسلمات إقليمية، إذا لا نزاع على المسلمات الشرعية، والنزاع عليها إن حصل يتوارى بتهافت طرحه.
فطرحت هذه الخلخلة أسئلة في السائد والمألوف لا يحبذها التيار التقليدي، الذي قد ينشئ محاكم تفتيش لأية محاولة تفكير تحاول المس بمسلماته الإقليمية، إذ فيها خروج عن النهج والسمت المحدد.
وجاءت هذه الخلخلة -التي أفرزها انتشار التعليم، وإيفاد البعثات إلى الخارج، والانفتاح الإعلامي- بتيارات غير مألوفة، فتحصل لدينا يمين ويسار (وهي تسمية مجازية) يتضادان في طرائق التفكير وترتيب الأولويات، بل إن نظرة أحدهما للآخر لا تعدو الانسلاخ من قيم الدين، أو التحجر والرجعية.
ثم تطور خطاب اليمين؛ فخرج اليمين المعتدل، رافعاً لواء الحوار، والرأي والرأي الآخر، معتمداً على الآية الكريمة: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) .
وفوجئ اليسار بهذا الخطاب الجديد؛ فاحتفى به بعض منهم، وكرهه آخرون لمآرب أخرى.
ثم أسهم هذا الخطاب في محاولة تقريب التوجهات بصورة ملفتة تدعو للاحترام والتقدير، معتمداً على ثقافة الحوار، قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) ، ونابذاً لثقافة الإقصاء والتهم الضبابية التي تجعل بيننا وبين الآخر مسافة شعارها"ممنوع الاقتراب"، وهي لا شك مسافة تضخم الأمور الصغيرة، وتعقد الأمور البسيطة، وتجعل من الممكن غير ممكن، وقد تحجب أبواباً للخير لو فتحت لعم نفعها وأينع ثمرها، ولنا في هدي خير الأنام عليه السلام أسوة،إذ مساحة التحرك والتعامل مع الأمور واسعة أمامه، فلم يمنعه نزول الوحي عليه من السماء أن يسمع لرأي سلمان - رضي الله عنه- في حفر الخندق، وأن يعدل عن رأيه إلى رأي غيره، ثم يكون في ذلك للإسلام فتحاً مبيناً.
ونحن لسنا أصحاب عقائد مبنية على الخرافة، تعيش حالة رعب من التغيير القادم والتوجس من الجيل الصاعد. فلو أخذنا على سبيل المثال الكنيسة البابوية في العصور الوسطى التي كانت تحرق من يفكر بغير الطريقة التي تريد بتهمة الهرطقة، وما ذاك إلا لعجزها عن حمل أتباعها على اتباعها، فحصل زلزال فكري ضخم، قوض أركانها، وأهال عليها التراب، وذاك بقيام ثورة مارتن لوثر، ثم إعلان العلمانية نهجاً للحياة بعد الثورة الفرنسية.
وأما نحن فأصحاب حنفية سمحة انبثق فجرها في جبل النور، وعم نورها أنحاء الكون؛ فلسنا في حاجة لأن نرى في تعاملنا المختلف مع الأحداث المستجدة، ونظرنا المختلف للقضايا النازلة مروقاً عن نهج السلف، إذا كان هذا التعامل وهذا النظر ملتزماً بقواعد الشريعة ومقاصدها.