فهرس الكتاب

الصفحة 11709 من 27364

الاربعاء:15/09/2004

(الشبكة الإسلامية) رشيد خشانة

علم العراق

يتوسع الدور الإسرائيلي في العراق كل يوم بسرعة أكبر من قدرة المراقبين على رصده، وهو لا يقتصر على الشمال مثلما تردد خلال السنة الأولى من الاحتلال الأميركي وإنما نراه يتمدد إلى بغداد والجنوب وصولاً إلى الناصرية والبصرة. ويعتقد الإسرائيليون أن القوات الأميركية غير قادرة على فرض الأمن والاستقرار في العراق وأن عليهم تطوير قنواتهم الخاصة مع القوى المحلية انطلاقاً من نقطة الارتكاز الرئيسية في الشمال والتقدم في تنفيذ الخطة التي كانوا أعدوها قبل سقوط النظام السابق في العراق مع إدخال تعديلات طفيفة عليها.

واضح أن"إسرائيل"تعمل على محورين متكاملين ،أولهما: دفع اليهود العراقيين إلى الواجهة ليس للمطالبة بدور سياسي في عراق ما بعد صدام حسين؛ لأنها تعلم أن ذلك يثير ضدها حساسيات واسعة في المنطقة وإنما بوصفهم رأس جسر لترتيب العلاقات مع الحكم الجديد في البلد على جميع الصعد. هذا هو القسم الطافي على السطح من الاختراق الإسرائيلي للعراق، أما القسم الخفي فهو التمدد الاستخباراتي الذي يبدأ من تصفية العلماء العراقيين ليشمل التأثير في التطورات السياسية الداخلية والتغلغل داخل البنية الاقتصادية وصولاً إلى تكريس علاقات نفطية عراقية - إسرائيلية طبقاً للخطة التي سبق ان أعلنها وزير البنى التحتية الإسرائيلي (يوسف بريتسكي) في صحيفة"هآرتس"والرامية لمد خط أنابيب جديد من العراق إلى"إسرائيل"عبر الأردن.

ما من شك بأن"إسرائيل"تتمنى اليوم قبل الغد التطبيع الديبلوماسي مع بغداد والحصول على اعتراف طالما انتظرته من العراق بشرعية وجودها، لكنها بدت مستعدة للقبول بإرجاء هذه الخطوة إلى حين في مقابل تحصيل منافع أهم على الأمدين الوسط والبعيد في مقدمها تبلور لوبي عراقي داخل أجهزة السلطة يدافع عن إقامة علاقات متينة معها. كذلك هي أظهرت"تفهماً"لكون الاقدام على الصلح معها الآن يسبب ارباكاً إضافياً لحكومة هي في غنى عن المزيد من المشاكل والاحتكاكات داخلياً واقليمياً. وما يشجعها على"الصبر"كون الأمور تسير وكأن التطبيع حاصل بما في ذلك على الصعيدين العسكري والاستخباراتي من خلال دور مستشاريها العسكريين العاملين مع القوات الأميركية. واللافت في هذا السياق أن أول من كشف وجود مستشارين عسكريين إسرائيليين في العراق واعتماد القوات الأميركية عليهم لثقتها بخبرتهم في مجابهة المقاومين الفلسطينيين، كان الصحافي الفرنسي (جورج مالبرونو) الذي اختطف لاحقاً مع زميله كريستيان شينو.

غير أن"إسرائيل"مصرّة، مع كل ما غنمته من مكاسب على الأرض، على التطبيع الرسمي مع بغداد بأسرع ما يمكن بالنظر لدلالاته السياسية والرمزية الواضحة. والظاهر أن لا خلاف مع الحكومة العراقية الحالية على التشاور المستمر لتحديد الوقت المناسب للإقدام على تلك الخطوة.

واستطراداً يلقى الدور الإسرائيلي المتنامي داخل العراق في هذه المرحلة مزيداً من الضوء على حجم التأثير الذي كان لتل أبيب لدى الاعداد للحرب ووضع خططها وأهدافها من خلال اللوبي الليكودي في الإدارة الأميركية، ومن تجلياته المعروفة ايفاد شارون رئيس جهاز"الموساد" (أبراهام هاليفي) للإقامة في واشنطن طوال الأشهر الثلاثة التي سبقت اندلاع الحرب لاعطاء المشورة لكبار القادة العسكريين الأميركيين. ومثلما تتبلور ملامح الصورة تدريجاً لدى التمحيص يبدو الدور الإسرائيلي في تلك الحرب أكثر وضوحاً اليوم بوصفه حرباً بالوكالة رمت لحماية الدولة العبرية من أكبر مصدر تعتقد أنه كان يشكل تهديداً لوجودها، وتالياً ضمان تكريس سيطرتها على المنطقة.

صحيفة الحياة اللندنية 13/9/2004

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت