فهرس الكتاب

الصفحة 22074 من 27364

د. محمد الحضيف 7/2/1424

حينما أصدر (فوكوياما) كتابه (نهاية التاريخ) ، لم يكن يقرر فقط، نهاية الحرب الباردة، وهزيمة الاشتراكية، و سقوط حلف وارسو .. كان يعلن:

انتصار (الحرية) ، بمنظور الليبرالية الغربية، من خلال (الديمقراطية) ، بوصفها الشكل (النهائي) .. و الأرقى، لحرية التعبير ..

و يعلن سيادة (اقتصاد السوق) .. الحر ، كما عبرت عنه الرأسمالية، مقابل الاقتصاد الموجّه، الذي تمثله الاشتراكية ..

كان يقدم للبشرية، ما كانوا يزعمون أنه (الأنموذج) لمجتمع (فاضل) .. حققوه . المجتمع الذي يعلي من قيمة الإنسان .. (أي) إنسان، فيمنحه الحرية، و العدل .. و يحترمه، و يحفظ حقوقه ..!

المجتمع الذي يقولون، إنه يحترم الحياة الإنسانية، بغض النظر عن لونها، أو جنسها .. أو حتى الدين، و ليست حياة الإنسان الأبيض .. المسيحي فقط ..!

كان (فوكوياما) يبشر بموت (الأيدولوجيات) .. كل الأيدولوجيات، و يقف على أبواب (واشنطن) ، يرحب بـ (المؤمنين) الجدد بواحة العدل و الحرية .. حرية التعبير، و (حقوق الإنسان) ، التي (يكفلها) الدستور الأمريكي (!!) .. في ظل الديمقراطية، التي ما فتئت أمريكا تبشر بها، وتحيك المؤامرات من (أجلها) ، و تصنع عملاء و (كرازايات) ، يأتون على دبابات أمريكية، لـ (فرضها) على الشعوب .. لتنعم بلذة التقلب في نعمائها .

كان يبشر بـ (يوتوبيا) الخلاص ..!

من (هيروشيما) مرورا بـ (درسدن) إلى (بغداد) ، تخصصت أمريكا باغتيال المدن، و حرق ساكنيها .. و قتل الأطفال، باسم مقاومة (الفاشية) و (الدكتاتورية) ..!

من رأى منكم مشهد المرأة المحترقة، تجري مذهولة في أحد شوارع هيروشيما ، تشتعل فيها النار، التي صبها فوقها (رسل الحضارة) .. حماة حقوق الإنسان؟!.

من رأى منكم مزق اللحم، لشيء كانوا يسمونه طفلاً، في واحد من أحياء بغداد .. التي يحرقها (مغول) القرن الحادي والعشرين .. الذين جاؤوا من أجل (حرية) العراق..؟!

آهٍ يا بغداد .. يا عاصمة الحضارة، يحرقك (البرابرة) .. يحيلون أطفالك مزقا، و مآذنك ركاماً، باسم الحرية، و حقوق الإنسان .. و إلغاء الدكتاتورية!..

آهٍ يا بغداد .. يدكّ مناراتك، و ينتهك شرفك، سماسرة الحرب و النفط ..

و (يصلّون) لـ (الربّ) كل صباح .. بين يدي (الصليب) ، أن يحفظ جنودهم، و يكلل مهمتهم (المقدسة) بالنجاح ..!

فوكوياما أخبرنا أن التاريخ (انتهى) عندهم، و أنهم قد وصلوا الغاية في كل شيء ، و دعانا .. فوكوياما، لاعتناق الليبرالية الغربية، حيث الديمقراطية سدرة المنتهى ..

عندها (الجنة) .. التي طالما (حلمنا) بها، نحن الذين نرسف في أغلال (الديكتاتوريات) ، التي صنعتها أمريكا (الديمقراطية) ، و أوقفتها على قدميها .. و دعمتها ضد أي (نَفَس) احتجاج يصدر من صدورنا، التي تئن تحت وطأة الأقدام الغليظة .

كنّا نحلم أن نرى الديمقراطية .. لا أن ندخل (الجنة) الموعودة، فجاؤونا بـ (كرازاي) ، محمولاً على دبابة (أبرامز) يدوس بها قيمنا، و تفرش أمامه الـ (بي 52) ، بقنابلها (الذكية) ، و غير الذكية، (سجادة) طويلة .. حمراء، من جماجم أطفالنا، و نسائنا، و ركام منازلنا .. وبعض من أنقاض مآذن مساجدنا ..!

كنا نحلم أن نرى الديمقراطية .. حيث (الحرية) درة تاجها .. لنستعيد إنسانيتنا . .ديمقراطية الكيان اليهودي .. التي رعتها أمريكا، و دعمتها بطائرات (الأباتشي) .. لتقتنص أطفالنا في فلسطين ..!

الحرية التي (قتلت) أمريكا من أجلها مليوني فيتنامي، و مثلهم من الكوريين، و أحالت بلادهم إلى أرض محروقة .. و سكتنا ..لم نعلق بشيء ..!

عَلّمونا أن الفيتنامي -و كذلك الكوري- (شيوعي) .. قبل أن يكون إنساناً ..!

و لا إنسان .. خارج (جنتهم) ..!

عَلّمونا .. أنها حرب على (الإلحاد) ، و أن أمريكا ترتكب الجرائم ضد الإنسانية .. لخير الشعوب .. لمصلحة الإنسانية .. لإنهاء الدكتاتوريات، و نشر الديمقراطية ..!

صرنا ضمن طوابير (المؤمنين) :

"أمريكا .. أرض الأحلام و الحرية، و (رسول) العدل.. و جنة الديمقراطية"..!

ثم أفقنا على (سدنة) الجنة .. عملاء (الإف . بي . آي) ، ينزعون الكرامة .. و يصادرون الحريات، و ينفون عنها .. جنتهم، كلَّ (لا إنسان) ..!

أن تكون مسلما .. أنت (لا إنسان) .. مطرود من جنتهم، معاقب أينما كنت .. يتكفل بك (كروز) ذكي .. يتبعك حيثما سرت .. و يحيلك إلى شظايا .. باسم مكافحة (الإرهاب) ..!

حلمنا بالديمقراطية .. و سكتنا على جرائم أمريكا ..

أنكرنا (الجهاد) .. من أجلها، و وصفناه بـ (الإرهاب) ، و هي (أس) الإرهاب، و (أصل) الوحشية، و الهمجية .. وبقينا نتفرج على أطفال العراق، يتساقطون بمئات الألوف .. مثل الأوراق اليابسة ..

يموتون جوعا ..و يحصدهم (اليورانيوم) المنضب ..

من بقي منهم على قيد (الحياة) ، بأطراف ناقصة، و تشوهات خلقية ..

جاءته حملة (الحرية) للعراق ..لتحيله مزقا .. أشلاء.. رماداً ..!

جاءته الـ (بي 52) بالقصف السجادي ..لتعجنه .. لحماً و دماً، مع رماد عاصمة الخلافة،

وبقايا الكرامة و الشرف ..!

و ينعق الخونة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت