فهرس الكتاب

الصفحة 22594 من 27364

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمداً لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، وصلى الله على أفضل المصطفين

محمد وعلى آله وصحبه ومن تعبد أما بعد:

فمما لا شك فيه عند المسلمين أن (الفيء) هو المال المأخوذ من الكفار من غير قتال،ولا إيجاف خيل ولا ركاب ، وقد سماه الله فيئاً لأنه مما أفاءه الله على المسلمين ، فرجع إليهم من الكفار، قال تعالى: (( وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (الحشر:6) .

وذلك أن المال إنما خلقه الله لعباده لكي يستعينوا به على طاعته ، ولما بقي على تلك العبادة الخالصة المسلمون ؛ صاروا هم الأحق بتملك المال، كما قال تعالى: (( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ) (لأعراف: من الآية32) .

قال ابن كثير في تفسيره (2/283) : ( أي هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حباً في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة) ا.هـ .

ومن هنا نستنبط بأن الأحق بالمال هم المسلمون، فإذا انتقل بيد الكفار وبقي معهم ،وأقبلت جحافل الإيمان لقتالهم ـ باستثناء الذميين والمعاهدين والمستأمنين ـ ولم يقفوا أمامهم للقتال وتركوا أموالهم خوفاً فعندئذٍ يفيء المال ويرجع إلى مستحقه الأصل وصاحبه الأحق وهم المسلمون ولذا قال الله: (( وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ) )لأن المال الذي بيد الكافر لا يستحقه بعلة كفره بالله فماله عليه عذاب ووبال لأنه يستخدمه فيما يسخطه ـ عز وجل ـ وهذا بنص القرآن وتأمل قوله تعالى: (( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ) (التوبة:55) .

يتضح لك أنه بقدر ما يجمعه الكفار من حطام الدنيا فإنه عليهم عذاب،بل لو أنفقوا أموالهم تلك في أمورهم المعيشية أو في مصالح خيرية بحتة لا تضر بشريعة الإسلام ، فإن مالهم كذلك ضائع ولن يجزوا به إلا النار، قال تعالى: (( مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) (آل عمران:117) .

وسبب ظلمهم لأنفسهم أنهم كفروا بربهم فلم يتقبل منهم نفقاتهم قال تعالى: (( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ) ) (التوبة:54) .

فما بالك إذا كانوا ينفقون أموالهم حرباً على المسلمين ، وصداً عن سبيل المؤمنين ، كحال الكفار الحربيين، فإن أموالهم تلك لن يجنوا منها إلا العلقم المر، والحسرات المتتاليات، قال تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) ) (لأنفال:36) .

لهذا كان الأحق بالمال من عبد الله ووحده ، وإذا كان بيد الكفار فهو طارئ عليهم ولا يستحقونه لأنهم قد غصبوه من المسلمين أو صار بيدهم بغير حق شرعي يبيحه لهم،وقد مضت شريعتنا وبينت قاعدة فقهية عظيمة بأنه ( ليس لعرق ظالم حق) وهي نصُّ حديث في جامع الترمذي (1378) وقال: (حديث حسن غريب) ، وسنن أبي داود (3073) والنسائي في الكبرى (3/405) ، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (باب الغصب) وكذا الألباني في إرواء الغليل (5/355) وللحديث طرق عديدة وقد تلقاه بالقبول فقهاء الأمصار/ انظر: التمهيد لابن عبد البر: (22/280ـ 284)

وعليه فلو أتى المسلمون إلى ديار الكفار الحربيين ولم يقفوا لقتالهم فإن المال كله يرجع بيد أصحابه الأصلاء وهم المسلمون وذلك بنصِّ القرآن ـ والحمد لله على جزيل عطائه ـ ويقارب هذه المسألة تمثيلاً الأرض المملوكة فكثيراً ما تكون أحب للإنسان من ماله المخزون، وقد يتملكها الكفار ولكنها سترجع في العاقبة إلى من يستحقها ، قال تعالى: (( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ) (لأعراف: من الآية128) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت