بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمداً لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، وصلى الله على أفضل المصطفين
محمد وعلى آله وصحبه ومن تعبد أما بعد:
فمما لا شك فيه عند المسلمين أن (الفيء) هو المال المأخوذ من الكفار من غير قتال،ولا إيجاف خيل ولا ركاب ، وقد سماه الله فيئاً لأنه مما أفاءه الله على المسلمين ، فرجع إليهم من الكفار، قال تعالى: (( وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (الحشر:6) .
وذلك أن المال إنما خلقه الله لعباده لكي يستعينوا به على طاعته ، ولما بقي على تلك العبادة الخالصة المسلمون ؛ صاروا هم الأحق بتملك المال، كما قال تعالى: (( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ) (لأعراف: من الآية32) .
قال ابن كثير في تفسيره (2/283) : ( أي هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حباً في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة) ا.هـ .
ومن هنا نستنبط بأن الأحق بالمال هم المسلمون، فإذا انتقل بيد الكفار وبقي معهم ،وأقبلت جحافل الإيمان لقتالهم ـ باستثناء الذميين والمعاهدين والمستأمنين ـ ولم يقفوا أمامهم للقتال وتركوا أموالهم خوفاً فعندئذٍ يفيء المال ويرجع إلى مستحقه الأصل وصاحبه الأحق وهم المسلمون ولذا قال الله: (( وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ) )لأن المال الذي بيد الكافر لا يستحقه بعلة كفره بالله فماله عليه عذاب ووبال لأنه يستخدمه فيما يسخطه ـ عز وجل ـ وهذا بنص القرآن وتأمل قوله تعالى: (( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) ) (التوبة:55) .
يتضح لك أنه بقدر ما يجمعه الكفار من حطام الدنيا فإنه عليهم عذاب،بل لو أنفقوا أموالهم تلك في أمورهم المعيشية أو في مصالح خيرية بحتة لا تضر بشريعة الإسلام ، فإن مالهم كذلك ضائع ولن يجزوا به إلا النار، قال تعالى: (( مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) (آل عمران:117) .
وسبب ظلمهم لأنفسهم أنهم كفروا بربهم فلم يتقبل منهم نفقاتهم قال تعالى: (( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ) ) (التوبة:54) .
فما بالك إذا كانوا ينفقون أموالهم حرباً على المسلمين ، وصداً عن سبيل المؤمنين ، كحال الكفار الحربيين، فإن أموالهم تلك لن يجنوا منها إلا العلقم المر، والحسرات المتتاليات، قال تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) ) (لأنفال:36) .
لهذا كان الأحق بالمال من عبد الله ووحده ، وإذا كان بيد الكفار فهو طارئ عليهم ولا يستحقونه لأنهم قد غصبوه من المسلمين أو صار بيدهم بغير حق شرعي يبيحه لهم،وقد مضت شريعتنا وبينت قاعدة فقهية عظيمة بأنه ( ليس لعرق ظالم حق) وهي نصُّ حديث في جامع الترمذي (1378) وقال: (حديث حسن غريب) ، وسنن أبي داود (3073) والنسائي في الكبرى (3/405) ، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (باب الغصب) وكذا الألباني في إرواء الغليل (5/355) وللحديث طرق عديدة وقد تلقاه بالقبول فقهاء الأمصار/ انظر: التمهيد لابن عبد البر: (22/280ـ 284)
وعليه فلو أتى المسلمون إلى ديار الكفار الحربيين ولم يقفوا لقتالهم فإن المال كله يرجع بيد أصحابه الأصلاء وهم المسلمون وذلك بنصِّ القرآن ـ والحمد لله على جزيل عطائه ـ ويقارب هذه المسألة تمثيلاً الأرض المملوكة فكثيراً ما تكون أحب للإنسان من ماله المخزون، وقد يتملكها الكفار ولكنها سترجع في العاقبة إلى من يستحقها ، قال تعالى: (( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ) (لأعراف: من الآية128) .