وهذا ما حصل مثلاً في تأويل حديث ناقصات عقل ودين، الذي تصدى العقليون والوعاظ للدفاع عنه بأنه مجرد مداعبة أو ممازحة أو هزار، لأن الرسول لا يمكن ان يقصد اهانة النساء يوم العيد. والرسولل على أية حال اعظم شأناً من ان يهين النساء أو الرجال في يوم العيد أو غيره!. ولو تأمل هؤلاء قليلاً وكانت لديهم الثقة في النصوص لما اضطروا إلى سلاح التأويل القديم الجديد، ولأدركوا ان نقصان عقل المرأة المشار إليه في الحديث ليس نقصاً في المرأة، وان وراءه فلسفة عظيمة، تُظهر تفرد هذا الدين فيما قرره من معايير متناسبة مع فطرة البشر.
فلسفة قدم النوع
قرر شيخ الاسلام ابن تيمية، بناء على النصوص القرآنية والنبوية، ان هذا الكون خُلق من مادة سابقة عليه، وفي مدة سابقة عليه أيضاً، وانه لا يمكن ان يكون أول مخلوق. وهذه فكرة عظيمة المعنى، إذ لا سبيل إلى تقدير فترة في الزمان على أنها تمثل أول مخلوق، لأن هذا يتضمن القول بتحديد أزلية الخالق وتقييد أفعاله. وهذا ما يعبر عنه بقدم النوع، ومعناه ان الله لم يزل فاعلاً إذا شاء. وفي هذا النص معان فلسفية عظيمة منها ان ما ينطبق على الخلق لا ينطبق على الخالق، وانه لا بد من جعل النصوص هي المرجعية لتفكيرنا وليس العكس كما حصل في علم الكلام، وانه ليس في النصوص ما يخالف العقل، فالواجب عرضها بدون حرج ولا خجل، بل بكل ثقة، وترك الأمر للعقول تفكر فيها بعيداً عن الأفكار الدخيلة وعن الثقة المهزوزة أمام هذه الأفكار.
وكان علم الكلام قد قرر ان المادة لا تفنى وانه يعاد تشكيلها، وتبعه في ذلك الإعجاز العلمي بناء على قانون حفظ المادة والطاقة. وارادوا بذلك ان يؤكدوا على ان الله خلق هذا الكون من عدم، ولذلك تبنى الإعجاز العلمي نظرية الانفجار العظيم، وان الكون قد نشأ عن انفجار ضخم لكون متناه في الصغر، عندها ابتدأ الزمان والمكان. هذا مع العلم ان هناك نظريات أخرى حول الكون تخالف ذلك. كما ان العلم يتساءل وحالة الانفجار العظيم هذا: وماذا قبل؟ على شاكلة السؤال المألوف وماذا بعد؟ يتساءلون عن الزمان والمكان، وأين حصل الانفجار هذا، وغير ذلك من التساؤلات المثيرة.
خاتمة
لقد رأينا كيف ان أهل الإسلام حرفوا نصوصه وأولوها لصالح الفكر الآخر في جانب، ولصالح تقديس العلم التجريبي وجعله مطلقاً من جانب آخر، مع ان العلماء التجريبيين انفسهم لا يقرون بثباته ولا بمطلقيته. وقد أدى التأويل إلى تفريغ الكثير من النصوص من محتواها الحقيقي، مثل النصوص التي تخبر عن ان الرب يقوم بأفعال معينة، مثل الاستواء على العرش والنزول واجابة الدعاء وغيرها. بل ان اعتماد النظريات العلمية والآراء العقلية قد ادى إلى الخجل من ذكر مثل هذه النصوص احياناً، أو تفويض معانيها أو تحويرها لتناسب تلك الأفكار.
وظاهر التأويل أنه اعتذار عن صاحب القول بأنه لم يقصد ما قاله وان ما قصده هو هذا الرأي المُؤوَّل، لأن قوله يعارض أفكاراً أخرى موجودة يضع المؤولون ثقتهم فيها اكثر من نصوص الدين. ولكن احترام النصوص يقتضي تقديمها بدون خجل أو حرج، ثم نرى أي شيء في العلوم يناقض أفكار هذا الدين، ثم نناقشها.
(*) باحث - جامعة الملك سعود