فهرس الكتاب

الصفحة 14435 من 27364

أحمد دعدوش

لعلنا لم ننس بعد نتائج الإحصاء الشهير الذي جرى في مطلع القرن الميلادي الحالي، وأثبت أن أكثر من نصف مواطني الاتحاد الأوربي يعتقدون أن"إسرائيل"هي أكثر دول العالم رعاية للإرهاب.

قامت الدنيا يومها ولم تقعد، ولم يحسن العرب والمسلمون استثمار هذه الفرصة كالعادة، أما الصهاينة فما كانوا ليفوتوها مهما كان التخاذل، إذ سارعوا لإذكاء نار الإسلاموفوبيا من جديد في أوربا، وحركوا الأيادي الخفية للعبث في رؤوس العلمانية الفرنسية التي استصدرت ما سمي بقانون حظر الرموز الدينية في المدارس، حتى ثار المسلمون انتصاراً لدينهم وكرامتهم، وسرعان ما ضاعت الحقائق مع دماء الشهداء في فلسطين!

المشهد ذاته يتكرر اليوم، فما أن لاحت بوادر التعاطف النرويجي مع الحقوق الفلسطينية المهدورة حتى تحرك الصهاينة من جديد، غير أن النتائج قد تخطت التوقعات هذه المرة.

كيف بدأت القصة؟

تعود البداية- وفقا لموقع العربية نت- إلى الاجتماع الذي عقده رئيس الوزراء الدنماركي آنس فوغ راسمسون مع مجموعة من الأئمة وقيادات الجالية الإسلامية في 20 سبتمبر/أيلول الماضي لبحث ما سُمي بأسباب جنوح بعض الشباب المسلم إلى العنف والخروج عن القانون، وقد أجاب الأئمة بضرورة تدخل الحكومة لمنع وسائل الإعلام من الإساءة للإسلام، مع تذكيرهم بواجب الحكومة في منع مظاهر التمييز ضد المسلمين.

أما ردود الفعل الأولى لوسائل الإعلام فكانت على عكس مطالب المسلمين تماما، فبمجرد علم صحيفة"يولاند بوسطن"بهذ الأنباء طلبت على الفور من نقابة رسامي المجلات أن يقدموا لها رسوما كاريكاتيرية تتخطى كل الخطوط الحمراء، وتتعرض مباشرة لمقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي يجله أكثر من مليار مسلم على وجه الأرض، وحصلت بالتالي على مجموعة من اثني عشر رسماً قامت بنشرها على الفور، وبعد عشرة أيام فقط من الاجتماع المذكور.

الجالية المسلمة في الدانمرك كثفت جهودها للدفاع عن كرامة المسلمين في كل أنحاء الأرض، ودعت إلى مظاهرة في الرابع عشر من أكتوبر- أي بعد أسبوعين- في كوبنهاغن، ثم تلتها الجاليات الإسلامية في أوربا منددة بهذا الفعل الشنيع، كما أصدرت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة"إيسيسكو"بيانا يطالب باعتذار الصحيفة.

سرعان ما نُسي الأمر بعد ذلك، تماما كما نُسيت حوادث إهانة المصاحف في غوانتانامو، وهدم المساجد في الهند، واستباحة كل شيء في فلسطين، ولكن التصريح النرويجي الذي طرأ على حين غرة هو الذي أعاد الحدث إلى الواجهة بعد أربعة شهور، مما دفع بالصهاينة لتشجيع إحدى الصحف هناك على إعادة نشر تلك الرسوم، ثم التربص في انتظار وقوع الكارثة.

الشرارة

في العاشر من يناير الماضي بدأت خيوط اللعبة بالتكشف عندما أعادت مجلة (مغازينا) النرويجية والمقربة من حزب التقدم اليميني المتطرف نشر تلك الرسوم بالرغم من سكوت المسلمين عن الأمر ودخوله عالم النسيان، وذلك إثر تصريح وزيرة المالية النرويجية وزعيمة الحزب الاشتراكي (كريستينا هالفرسون) بدعمها لسياسة مقاطعة البضائع الإسرائيلية، مما دفع وزيرة الخارجية الأمريكية لتوجيه إنذار شديد اللهجة للحكومة النرويجية، ليقوم وزير الخارجية النرويجي في المقابل بطمأنة الولايات المتحدة بأن هذه التصريحات لا تمثل إلا هالفرسون وحدها.

العجيب في الأمر هو أن الغالبية الساحقة من العرب والمسلمين لم يسمعوا شيئا عن تصريح هالفرسون، ذلك التصريح الذي تلقاه الصهاينة على جناح السرعة، واستنفروا له كل طاقاتهم لتطويقه والحؤول دون إخراجه إلى عالم الواقع، أما الأعجب فهو أن العلاج لم يتطلب أكثر من إعادة نشر تلك الرسوم التي نشرت قبل عدة أشهر، ثم الخروج من القضية كلها مثل الشعرة من العجين.

لم تتردد المجلة النرويجية في تنفيذ الأوامر، وقامت بإعادة النشر في استفزاز واضح، ولعل أحداً لم يتوقع آنذاك أن تتحول ردود الفعل من مجرد احتجاجات من قبل الجالية المسلمة في النرويج إلى ثورة عالمية خارجة عن السيطرة.

العرب ما زالوا يتساءلون حتى الآن: لماذا لم نسمع بالأمر من قبل بالرغم من مرور كل هذه الشهور عليه؟ ولعل الجواب يكمن في رغبة الجهة التي تقف خلف القصة بأكملها، إذ أصبحت الدوافع في تحريك العالم ضد المسلمين اليوم أقوى، خصوصا مع تزايد مخاوفهم من صعود حماس في الانتخابات التي كانت على وشك الانطلاق.

هذا الأسلوب لم يعد يخفى على كل متتبع، فما زالت هناك الكثير من الشكوك حول الصور التي جرى تسريبها من سجن أبو غريب، فمن غير المستبعد أن تكون تلك الصور قد أعدت خصيصاً لمسخ ما تبقى من كرامة المواطن العراقي، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه قد جرب أبشع أنواع القمع والتنكيل على يد النظام الديكتاتوري السابق، وأنه قد اعتاد على الخوف والرضوخ تحت طائلة التهديد، مع الاحتفاظ بحق الاستنكار وإدانة بعض صغار الضباط لحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام والتملص من المسئولية.

كسر القاعدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت