فهرس الكتاب

الصفحة 14436 من 27364

الملفت في الأمر هو أن ردود الفعل العربية لم تأت كسابقاتها هذه المرة، إذ يبدو أن اللاعبين في الظل لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث مع ناشري الرسوم بما يحتمل أن يحدث، خصوصا وأن تبعات هذا التصرف الأخرق لن تقع عليهم مباشرة بل ستأخذ أبعادا سياسية ودبلوماسية، مع علمهم المسبق بأن رفع شعار حرية التعبير سيكون بمثابة الحصانة التي لا يمكن خرقها.

لم تنجح محاولات المسلمين الاحتجاجية في إقناع المسؤولين عن الرسوم بالاعتذار بادئ الأمر، بل لم يكتفوا بالتعنت، إذ حرضوا المزيد من الصحف على إعادة النشر في تحدٍ سافر، مما دفع المسلمين لإشهار سلاح المقاطعة الاقتصادية مرة أخرى بعد تجربته في أيام الانتفاضة.

ليس لدي ما يؤكد تحسبهم المسبق لاحتمال وقوع هذه المقاطعة، ولكني أرجح أنهم لم يعيروا الأمر الكثير من الاهتمام في البداية لإيمانهم بأن العرب أقل شأنا من إحداث خطر بهذا الحجم، خصوصا وأن المقاطعة السابقة لم تؤت ثمارها، بل لم تترك أي أثر في مسار الأحداث إبان الانتفاضة التي قضت على المئات من الفلسطينيين، ولعل ذلك قد أشاع فكرة العجز العربي التام حتى في مجال الدفاع فضلا عن الهجوم، ولكن النقطة الأهم هنا هي أن معظم الصادرات الدانمركية إلى الدول الإسلامية لا تخرج عن كونها منتجات غذائية قابلة للاستبدال، فضلا عن كون معظمها أقرب إلى الكمالية منها إلى الأساسية، بالإضافة إلى أن حصة السوق الإسلامية من هذه الصادرات أكبر بكثير من مثيلتها الأمريكية.

بناء على ذلك، فإن خسارة الشركات الدانمركية بدأت بالظهور على السطح منذ الأيام الأولى، مما عزز الشعور بالنصر لدى المسلمين الغاضبين الذين كثفوا جهودهم لتعميم هذه الظاهرة، ولعل انتصار حماس الساحق قد أعطى دفعا نفسيا قويا، إلى جانب خطابات الرئيس الإيراني التي أعادت للمسلمين الكثير من ذكريات العزة المفقودة، وهكذا توالت أخبار النصر التي تناقلها الشباب المتحمس بسرعة البرق، لتخرج المسيرات والمظاهرات على نحو غير مسبوق في شتى أنحاء الأرض، ويصل الأمر إلى تدمير السفارات في كل من دمشق وبيروت، بالإضافة إلى تهديدات وتحرشات في عواصم إسلامية أخرى.

المأزق

من الصعب حقا تدارك الأنباء للكتابة عنها في خضم هذا التطور المتسارع للأحداث، ولست أبالغ في القول بأنه كان من الصعب التنبؤ بوصول الأمر إلى هذه النقطة، حتى من قِبل أولئك المستفيدين من تدهور العلاقات بين العرب والنرويج إلى هذا الحد.

المأزق الكبير هو ذلك الذي وجدت حكومتا النرويج والدانمرك نفسيهما فيه، فالرأي العام هناك لم يوافق في البداية على الاعتذار الرسمي للمسلمين، اعتقادا بأن في ذلك امتهان للكرامة الوطنية، ومع أن الاستبيان لم تجر إعادته فيما بعد، إلا أن الكثير من الأصوات قد بدأت هناك بالمناداة لإخراج البلدين من هذه الأزمة.

بناء على ذلك، فقد وجد رئيس الوزراء الدانمركي نفسه بين فكي كماشة، فهو محاصر من قبل شعبه الرافض للاعتذار حتى الآن والداعي إلى حرية الصحافة بأي شكل كان، ومُطالَب في الوقت نفسه بإخراج بلاده من هذه الأزمة الاقتصادية والدبلوماسية على جناح السرعة.

أما صحيفة (يولاند بوسطن) فقد حاولت المناورة طويلا، إذ كان موقفها شديد التعنت طوال الأشهر الماضية، ولكنها سرعان ما بدأت بالتجاوب إثر استدعاء الحكومة السعودية السفير الدانمركي في الرياض، ثم استدعاء سفيرها الحجيلان في كوبنهاغن، حيث قررت الخروج عن صمتها واضطر رئيس تحريرها (كارستن يوسته) إلى توجيه خطاب بالعربية للمواطنين السعوديين على موقع الصحيفة الإلكتروني، ولكنها فوجئت بأن الأوان قد فات مع استدعاء كل من ليبيا وسورية لسفيريهما، ثم تصاعد حملات الاستنكار والمقاطعة الاقتصادية في كافة أرجاء العالم الإسلامي مما دفعها لتوجيه خطاب آخر إلى المسلمين عامة، ويذكر أن الخطابين لم ينصّا على الاعتذار الصريح، بل اكتفى رئيس التحرير فيهما بالإعراب عن أسفه مع التبرير، ولكن اجتماع وزراء الداخلية العرب في تونس دفعه لتوجيه اعتذار صريح في الثلاثين من يناير الماضي، وهو أمر لم يعد كافيا فيما يبدو مما دفع الوزراء المجتمعين إلى إصدار بيان رسمي في اليوم التالي يطالبون فيه الحكومة الدانمركية بتطبيق أشد العقوبات على المسؤولين عن هذا التصرف الشنيع.

الملفت في الأمر أن رئيس التحرير قد وصف الهدف من نشر تلك الرسوم بقوله:"لم يكن القصد منها النيل من شخص النبي (ص) بتاتاً أو الحط من قيمته، بل كانت مدخلاً للحوار حول حرية التعبير عن الرأي التي نعتز بها في بلادنا"، وهو أمر يصعب فهمه، إذ كيف يمكن النظر إلى اثني عشر رسماً تسخر جميعها من النبي صلى الله عليه وسلم وتصوره بأقبح الصور على أنها مدخل للحوار حول حرية التعبير؟ ولماذا لم تحمل أي من هذه الرسوم صورة مغايرة لتلك التي أرادت الصحيفة نشرها عمداً، هذا فضلا عن الدافع الموضح سابقاً لنشرها والذي لا يعدو أن يكون رداً فورياً على طلب أئمة الجالية الإسلامية من رئيس الوزراء حث وسائل الإعلام الدانمركية على التخفيف من لهجتها العدائية والتحريضية ضد المسلمين!

الحلول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت