فهرس الكتاب
تفاوتت ردود الفعل الإسلامية بين استنكارات ومظاهرات واحتجاجات دبلوماسية ومقاطعة اقتصادية وحتى إحراق للسفارات، ولعل الرد الأقوى جاء من طهران بعد إعلان الحكومة الإيرانية قطع علاقاتها التجارية مع الدانمرك، الأمر الذي استنكرته دول الاتحاد الأوربي كافة وواجهته بالتهديد، أما الرد الأكثر طرافة فهو إعلان إحدى الصحف الإيرانية عن إجراء مسابقة لأفضل الرسوم الكاريكاتورية التي تتناول أسطورة الهولوكوست مع الإشارة إلى أنها تهدف بذلك إلى قياس درجة حرية التعبير لدى الأوربيين! وهي الدعوى نفسها التي تذرع بها رئيس تحرير (يولاندس بوسطن) في الإساءة للنبي r، وأنا أرى أنه رد عملي بالغ الدهاء، وسيؤتي ثماره إذا ما قامت صحف إسلامية أخرى بإعادة نشر تلك الرسوم بعد صدورها مع التذرع بالعذر نفسه! وهذا أفضل بالطبع من التعرض للرموز الغربية بالسخرية، وأكثر إحراجا لهم في اكتشاف مدى قدرتهم على تقبل حرية الرأي.
من جهة أخرى، فإنه من المهم أن نأخذ بعين الاعتبار الطريقة التي يتناول فيها الشعب الدانمركي أمثال هذه القضية، فمن المعروف أن الشعوب الغربية"تدين"بالعلمانية التي تنص على عزل الدين عن الحياة، وأن هذه النزعة تزيد عمقا لدى شعوب الدول الأوربية الشمالية ومنها الدانمرك والنرويج، حيث يُختزل الدين إلى بعض التعاليم المقتصرة على تنظيم الأخلاق إلى جانب كونه حافظا للتراث الثقافي الضارب في القدم، وعليه فلن نفاجأ بموقف الملكة الدانمركية المتحرر من الدين على الرغم من كونها رئيسة الكنيسة الإنجيلية في بلادها، إذ تقول في مذكراتها التي نشرتها العام الماضي:"هناك شيء مدهش بعض الشيء لدى أولئك الذين يشكل الدين كل حياتهم ويشبع حياتهم اليومية من الصباح حتى المساء ومن المهد الى القبر", في إشارة إلى المسلمين الذين خصتهم ببعض النقد الصريح في كتابها، علما بأنها لم تنس أن تشير إلى"وجود مسيحيين هم أيضا كذلك"!
بناء عليه، فإن الشعوب الغربية قد تحررت من"قيود"المقدس الغيبي إثر معاناتها مع الاضطهاد الكنسي الطويل، واستبدلت به تقديس العقل الذي امتد طوال عصور النهضة والأنوار، وهو الذي أفضى إلى تأليه الإنسان - الرجل الأبيض حصراً- بدلا من الإله، ليصل الأمر بها إلى الخروج من عالم الحكايات الكبرى كما يقول عرّابو ما بعد الحداثة بعد أن ذاقت ويلات الحروب، ويصبح الفرد أخيراً هو الوجود بعينه، مختزلا بذلك العالم كله في مصالحه الشخصية.
من هنا يمكن فهم عقيدة هذا الشعب في حرية الرأي التي تصبح أكثر قداسة لديه من الإله نفسه، وهو ما يتضح في تعجبهم من موقف المسلمين الغاضب من هذا التصرف الأحمق، وفي استنكارهم للمقاطعة الاقتصادية التي تعد اعتداء غير مفهوم على رفاهيتهم مقابل تناول ساخر لأحد الرموز الدينية، إذ تجد من المضحك تعجب أحدهم من استنكار المسلمين إزاء تلقيه لسخرية مماثلة لرموز دينية مسيحية بدم بارد، ما دام الأمر لا يخرج عن نطاق حرية الجهة الساخرة في التعبير عن الرأي أولا، ولا يمس شيئا مقدسا لديه ثانيا.
انطلاقا من هذا الفهم لثقافة الآخر يجب أن تبدأ مهمة المسلمين الراغبين في التفاوض، إذ يتطلب الأمر توضيحا مقبولا لمفهوم المقدس قبل كل شيء، وتصحيحا للفكرة المغلوطة حول عقيدة الإسلام التي باتت مرتبطة في أذهان عامة الناس هناك بالعنف وإراقة الدماء، بل ومناقشة عميقة للخلط الواضح بين الأسطورة والدين في الفكر الغربي العلماني، والذي يجعل من الإيمان بالله مجرد مرحلة لاهوتية أكل عليها الزمان وشرب. وعليه فإن ما يناله الإسلام من اعتداءات لا يمكن أن ينظر إليه من زاوية تصدي أهل الباطل لأهل الحقيقة كما كان في عهد النبوة، لأن الإسلام آنذاك كان قد تلبس عقول وقلوب الصحابة حتى ظهرت محاسنه في سلوكهم اليومي وأعطى للعالم مثالا حيا على أصله السماوي، بينما يتحمل مسلمو اليوم المسؤولية الكبرى جرّاء إقصائهم للمفهوم الصحيح للإسلام وقصره على الحامل الثانوي للتراث العربي تحت تأثير الغزو الثقافي الغربي!
من جهة أخرى، فإن سلاح المقاطعة الاقتصادي قد آتى ثماره على نحو غير متوقع، ولعل النقطة الأبرز هنا هي نشوة النصر التي حازها دعاة المقاطعة بعد فشل سابقتها أثناء الانتفاضة بالرغم من ضيق المدة، ولا أستبعد أن يؤدي ذلك إلى تبني هذا السلاح في معارك أخرى قادمة، وأن تكون له تداعيات أخرى إيجابية، إذ ينبغي أن يلفت هذا النجاح اهتمام الاقتصاديين لتحليل ما تم إنجازه على الصعيد الاستراتيجي من اكتفاء المستهلك العربي واستغنائه عن المورد الأجنبي، أو التفاته إلى أسواق أخرى قد تكون أقرب إليه.