د. محمد مرسي محمد مرسي
لعل الدارس لطبيعة المجتمع الصهيوني، يلاحظ تلك الملاءمة والتوافق القوي بين أهداف التربية الصهيونية من جهة وأهداف الحركة الصهيونية وحاجات المجتمع الصهيوني من جهة أخرى، فلقد كانت التربية الصهيونية بخلفيتها الدينية والتوراتية التلمودية العنصرية، وبفلسفتها المستمدة من تعاليم الصهيونية العدوانية، هي الوسيلة الأولى والأهم التي استخدمت لتحقيق أهداف الصهاينة في إنشاء إسرائيل وبقائها.
لقد استمدت التربية الصهيونية فلسفتها التربوية من مصادر أربعة هي:
1-الحركة الصهيونية.
2-الديانة اليهودية.
3-دولة إسرائيل.
4-الحضارة الغربية.
أولًا: الحركة الصهيونية:
عند التحدث عن الحركة الصهيونية لأحد أهم مصادر التربية اليهودية، فإنه لابد لنا من العودة إلى الجذور التاريخية للحركة الصهيونية والتعرف على الوسائل والمؤسسات التي أقامتها لبلورة إيديولوجية خاصة بها، بإقامة إقليم يهودي مستقل ذاتيًا واستقطاب المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء العالم، وقلب الأفكار والوقائع.
والصهيونية تنقسم إلى جزءين متكاملين هما: الصهيونية الدينية والصهيونية السياسية، فالصهيونية الدينية ترتبط بالأمل اليهودي الكبير القائم على العودة إلى"أرض الميعاد".
وقد كانت الصهيونية الدينية وراء التقليد بالحج إلى الأراضي المقدسة في العصور الوسطى وفي خلال القرن التاسع عشر حين ظهرت حركة"أحباء صهيون"، وهي المجموعات الصهيونية التي هاجرت من أوروبا الشرقية وخاصة روسيا وبولوينا ورومانيا، في سنوات"1881 -1904"، وأقامت فيها المستوطنات الأولى، وكان هدفها هو خلق مركز روحي على أرض فلسطين"صهيون"تتألف منه العقيدة والثقافة اليهوديتان" (1) ."
أما الصهيونية السياسية فهي مذهب سياسي يدعو إلى تجميع اليهود في أرض فلسطين على أساس قومي عنصري، وهي الحركة التي تدعو إلى التطبيق العلمي لمنهاج مؤسسها"يثودور هرتزل"والمتمثلة في النقاط التالية:
1-تبني فكرة استعمار يهودي منظم بمقياس واسع لفلسطين.
2-الحصول على حق قانوني معترف به دوليًا بشرعية استعمار اليهود لفلسطين.
3-تشكيل منظمة دائمة تعمل على توحيد جميع اليهود للعمل في سبيل الصهيونية.
وقد كان هناك نوعان من المؤيدين في صفوف الحركة الصهيونية، يطلب الأول، تحقيق النواحي الثقافية، بينما يطلب الآخر الأغراض السياسية، حيث مطلبهم يتمثل في تأسيس دولة قومية يهودية في فلسطين. أما الصهيونيون الثقافيون فكانوا يهتمون أولًا وقبل كل شيء بإعادة تربية الإنسان الصهيوني وتشكيله ذهنيًا، ببعث الثقافة العبرية من النواحي اللغوية والدينية والعنصرية كمقومات تشكل بنية الفكر الصهيوني والإيديولوجية الصهيونية بشكل عام.
ثانيًا: الديانة اليهودية:
تعتبر الديانة اليهودية مصدرًا هامًا من مصادر الفلسفة التربوية عند الصهاينة، فلقد اعتمدت التربية اعتمادًا كبيرًا على الدين في سبيل تشكيل أجيال متشبعة بتعاليم التوراة والتلمود، من أجل ترسيخ مفاهيم معينة في نفوس الناشئة الصهيونية.
وقد ركزت تلك التعاليم على ترسيخ مفهوم الوطن القومي الصهيوني الذي يعيش فيه شعب يهودي امتدت صورته الروحانية، والدينية، والقومية، والرسمية، عبر التاريخ.
وقد تضمنت تلك الفلسفة تعليم أبناء الصهاينة المفاهيم الدينية التالية:
1-اعتبار التوراة والتلمود في أصولها العبرية المصدر الأساسي للتاريخ، والجغرافيا، والأدب القومي، والمحتوى الأساسي للتقاليد الروحية والأخلاقية.
2-اعتبار الشعب اليهودي هو"شعب الله المختار"الذي هو فوق كل الشعوب التي سخرت لخدمته، وأن جميع الحضارات والثقافات هي وحي هذه الديانة وهذا الشعب.
3-ملء المناهج الدراسية بالبطولات الخارقة والأساطير التي وردت في الكتب الدينية، وأن الله وعدهم باستخلافهم في الأرض.
4-أن اليهود أمة واحدة لذلك لابد من جمع جميع الصهاينة في فلسطين على أساس الدين واللغة العبرية، وإعادة صياغة الأمة اليهودية وفق الروح اليهودية وحيًا من الدين اليهودي، وتهدف التربية الدينية إلى تربية الطفل جسديًا، واجتماعيًا، وانفعاليًا، وعقليًا، عن طريق قصص من التوراة وأسفارها.
ثالثًا: دولة إسرائيل:
تعتبر دولة إسرائيل التي قامت على جزء من أرض فلسطين في الخامس عشر من شهر مايو 1948م، بتحالف بين الحركة الصهيونية وقوى التحالف الغربي واعتمادًا على العنصر اليهودي، وتعتبر اليوم أحد مصادر فلسفة التربية عند الصهيونية نظرًا لاعتمادها لمصدرين سابقين والبالغ عددهم خمسة ملايين نسمة تقريبًا.
وتستمد التربية أصولها من الفلسفة السائدة في المجتمع الصهيوني فهي انعكاس لمطالبه واحتياجاته. ففلسفة التربية في الدولة الصهيونية تهدف إلى:
1-تكوين مجتمع عضوي موحد من شتات اليهود التي تجمعت في أرض فلسطين.
2-بناء دولة عصرية تملك أسباب القوة المادية والروحية.