فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 27364

صالح بشير

أرييل شارون أعلنها - ويجب أن يؤخذ كلامه على محمل الجد: الهجوم الذي شنه طيرانه يوم الأحد الماضي على دمشق ليس عملًا معزولًا، بل يمثل تحولًا في استراتيجية الدولة العبرية في"مكافحة الإرهاب". ذلك ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي، منتهزا مناسبة الاحتفال بذكرى حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973. وقد توقفت وسائل الإعلام، في معرض تأكيدها لذلك التحول، عند إقدام الجيش الإسرائيلي، في نفس ذلك اليوم، على إذاعة خريطة للعاصمة السورية، أسمتها"شبكة الإرهاب في منطقة دمشق"، تظهر فيها مكاتب المنظمات الفلسطينية ومنازل قادتها، من باب الإيحاء بأن المكاتب والمنازل تلك أهداف محتملة في عمليات قصف قد تكون مبرمجة مستقبلًا. ناهيك عن أن عملية القصف الأخيرة لم تُرتجل ارتجالا، ولم تكن مجرد رد فعل ثأري غريزي، بل هي ما كانت أكثر من تنفيذ، أو بداية تنفيذ، لخطة كان وضعها وزير الدفاع شاوول موفاز، في آب (أغسطس) الماضي، غداة العملية الانتحارية التي استهدفت الباص رقم 2 في القدس، وما كانت تنتظر سوى ذريعة كتلك التي وفرتها عملية حيفا الأخيرة.

النزاع مر في طورين:

يمكن القول إذًا: إن حقبةً من نزاع الشرق الأوسط قد آلت إلى نهايتها يوم الأحد الماضي، وإن أخرى بدأت. إذ لو أردنا إجمال تاريخ ذلك النزاع، على الأقل من الناحية العسكرية، لتبين بأنه مر حتى الآن بطورين أسياسيين:

أولهما طور المواجهات المسلحة المفتوحة، في صيغتها النظامية.

وثانيهما هو طور تعذر تلك المواجهات، من الجانب العربي. الأول امتد من 1948 حتى 1973، وشهد نشوب أربع حروب عربية-إسرائيلية في غضون خمس وعشرين سنة، أي، لو أردنا الركون إلى التبسيط الإحصائي، بمعدل حرب كل ست سنوات. صحيح أنه لم يُقيض للعرب، في أثناء تلك الحقبة، سوى الهزائم، لكنهم كانوا لا يزالون قادرين على المبادرة العسكرية، هجوما أو ردا، أو أنهم - على ما تقول صيغنا الخطابية الجاهزة - ما كانوا قد"أسقطوا خيار الحرب"، كسبيل لحل مشكلة الشرق الأوسط، وإن كان فحوى ذلك الحل المنشود قد تغير تدريجًا، وضمنًا دون الجهر غالبًا، من"إزالة دولة إسرائيل"إلى مجرد التوصل إلى قدر من السطوة العسكرية قادر على كبح جموحها العدواني والتوسعي، وقمين بدفعها إلى شكل من أشكال التسوية يحفظ ماء الوجه ولا يكون مجحفًا مطلق الإجحاف.

حرب 1973، مثلت أوج ذلك الطور من نزاع الشرق الأوسط، ومداه الأقصى، حيث بيّنت حدود الانتصار الذي يمكن للعرب بلوغه: العبور واجتياز خط بارليف، لكن دون التوصل إلى تحرير شبر واحد من الأراضي التي احتُلت في 1967، مع أن الحليف السوفياتي كان لا يزال على عنفوانه، يهاجم ويسجل النقاط، أو يوالي الانتصارات في الكثير من بقاع ما كان يُعرف بالعالم الثالث.

أما الطور الثاني، فقد كانت سمته، على ما سبقت الإشارة، تعذر الحروب. وهو قد تراوح بين صيغتين:

-سلام اتضح أنه لا يمكن إلا أن يكون باردا، وهو ذلك الذي صير إلى إرسائه بين مصر وإسرائيل في أعقاب اتفاقات كامب ديفيد.

حرب باردة:

-وضرب من نصابِ حرب باردة، استتب بين سورية وإسرائيل، وخضع في الكثير من أوجهه إلى ذات المنطق والآليات التي كانت تتحكم بالحرب الباردة الأم، إن جازت العبارة، تلك التي كانت جارية بين ما كان يعرف بالعملاقين، مستعيدة - محليًّا - عددا من ملامح هذه الأخيرة، من تفاهمات ضمنية، ومن تحكم من الجانبين في النزاع في ما خص المدى العسكري والحيز الجغرافي. وكان الهدف من هذه الصيغة الحؤول دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة ومباشرة لا يريدها الطرفان، واللجوء إلى ساحات حرب بديلة تكون مجالًا لخوض مجابهات محدودة أو ذات كثافة منخفضة، بالواسطة في بعض الحالات، تُستخدم في تحسين الموقع التفاوضي أو في تعديل موازين القوة بين الخصمين، دون مساس بالمصالح الأساسية، الحيوية أو الوجودية لأي منهما. وقد كانت الوظيفة تلك من نصيب لبنان، الذي اضطلع بها، على حسابه حصرًا في الغالب، منذ أن انفجرت حربه الأهلية وحتى يومنا هذا (أو حتى يوم الأحد الماضي ربما؟) .

وهكذا، يكون من باب التذكير بما هو ماثل لا يستحق تذكيرا، القول: إن تلك الجبهة الوحيدة التي بقيت ساخنة (باستثناء الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتلك حالة لها خصوصيتها إذ إنها ليست جبهة"حدودية") طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، ظلت تتسم بقدر من الانضباط لافت في صرامته، حيث لم تشهد أي"تجاوز"يمكنه أن يفضي إلى مواجهة بين سورية وإسرائيل، رغم"تداخل"قواتهما، و"تواجدها" (حسب عبارة الفضائيات واللغة الصحافية المبتذلة) على نفس"الساحة"، ومع ما يُفترض أن تتسم به إدارة مثل ذينك"التداخل"و"التواجد"من دقة ومن صعوبة. وربما مثل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982 حالة نموذجية أو"مدرسية"في هذا الصدد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت