يجدر التنويه بأن سورية أحسنت - إلى حد كبير - التعاطي مع تلك الصيغة المحلية من الحرب الباردة. صحيح أنها لم تحقق خلالها أيا من أهدافها الرئيسية، ولا سيما التوصل إلى تسوية"مشرّفة"، تستعيد الجولان كاملا. لكن دمشق أنجزت بعض المكاسب، بل بعض الانتصارات، من إسقاط اتفاق أيار الشهير، إلى الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، تحت ضربات المقاومة اللبنانية التي لم تبخل عليها سورية يوما بالدعم والمساندة، وربما بالتوجيه. لكن اللعبة تلك يبدو أنها انتهت، أو أن إسرائيل الشارونية قررت إنهاءها. لذلك، ربما لم يجانب الرئيس السوري بشار الأسد الصواب، عندما اتهم إسرائيل، في مقابلته مع"الحياة"، بأنها تريد الحرب. لكنه قد يكون جانبه في تشخيص أسباب جنوحها العدواني ذاك. فهذا الأخير ليس مجرد مغامرة يقدم عليها رجل انسدت أمامه الآفاق لعجزه عن القضاء على الانتفاضة، أو لأن الحرب وقود حكومته، على ما ذهب الرئيس السوري، واقتفى أثره في ذلك، بطبيعة الحال، إعلام بلده. بل لأن رئيس الحكومة العبرية وضع نصب عينيه إلغاء ذلك النصاب الاستراتيجي المحلي الذي زالت مقومات وجوده وما عادت أسسه قائمة.
بداية عهد جديد!
ربما كان يُفترض في ذلك النصاب أن يتهاوى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة الأم، لكن اختيار سورية الانضواء، تحت راية الولايات المتحدة، ضمن التحالف الدولي المناهض لصدام حسين في حرب الخليح الثانية، قد يكون مدّ في أنفاسه إلى حين.
أما الآن، بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ومع الإدارة الأميركية الحالية التي تكاد تكون توأما سياميا لنظيرتها الليكودية في إسرائيل، ومع الحرب العراقية الأخيرة، ومع بلوغ العرب أدنى دركات الوهن والضعف على الأصعدة كافة، لم يبق، في نظر شارون، سوى أخذ العلم بكل تلك العوامل، وترجمتها إلى استراتيجية جديدة تستكمل أسباب القوة التي تأنسها الدولة العبرية حاليا في نفسها، ومن عناصرها ضرب آخر توازن، أو ما يشبه التوازن، كان قائما، بين دولته وبين قوة عربية.
وهكذا، سيكون عدوان الأحد الماضي على دمشق، بداية عهد جديد، حيث أدخل سورية، وإن بالواسطة، في أتون"الحملة الكونية على الإرهاب"، وأدرجها ضمن منطقة الاستهداف، وحيث سيكون له أبلغ الأثر على لبنان وعلى المنطقة برمتها، يمعن فيها توتيرا وإضراما. إنه طور ثالث يبدأ، يصعب التكهن بملامحه وقسماته، باستثناء أمر واحد: أن حظوظ العرب في الفعل فيه، كما هي حالهم الآن، تكاد تكون في حكم المنعدمة.