أم أداة لتهميش الفرد وإقصائه
البحث في ظاهرة التصوف في سوريا، يتشعب بعيدا عن الجانبين الديني والفكري لهذه الظاهرة، ليقترب من مجالات أخرى تلعب دورا أساسيا في تحديد ملامحها الحالية. في سوريا، الدولة البعثية العلمانية، تحارب بقسوة جميع أشكال الإسلام السياسي. وفي الوقت نفسه، يتم تشجيع بعض التيارات الدينية على النشاط العلني الدعوي، وتشهد المساجد نشاطا ملحوظا في إقامة الأذكار والموالد ودروس الدين. وتحتل الطرق الصوفية حيزا كبيرا من هذه التيارات ذات النشاط العني الشعبي الذي يتم دعمه وتشجيعه من قبل السلطة.
وبعد أن كانت الصوفية تواجه من قبل السلفيين بانتقادات عقيدية تصل حد التكفير، أصبحت أيضا تعتبر في نظر الكثيرين من هؤلاء بمثابة جزء من ما يسمى بإسلام السلطة.
البدايات
يقول د. العسكري، الذي استغرق بحثه في مجال التصوف في سوريا سبع سنوات كاملة، بأنه لم يستطع تحديد تاريخ دخول الطرق الصوفية إلى سوريا، وذلك لقيام هذه الطرق في زمن لم يكن هناك حدود بين سوريا والعراق وتركيا ومصر وفلسطين، ويردف"لكننا وجدنا علامات مميزة لبداية هذه الظاهرة في سوريا، فمثلا على مستوى الطريقة النقشبندية، أول من أدخلها مولانا خالد النقشبندي، والطريقة الشاذلية ارتبطت بهجرة المغاربة إلى دمشق نتيجة الاستعمار الفرنسي في المغرب".
وعن أماكن انتشارها يقول"تنتشر في المدن والقرى على السواء. في المدن، تكون في الأحياء القديمة والهامشية ، بينما تتمركز أساسا في القرى، لكن عندما سكن شيوخها في الأحياء الراقية انتقلت بعض زواياها إلى هناك".
ومع تحول التصوف من ظاهرة فردية نفسية تعبدية إلى ظاهرة اجتماعية تنظيمية في بداية العصر المملوكي، كان لا بد من وجود مكان يجتمع فيه المتصوفة برئاسة شيخهم، يخبرنا د.العسكري. هذه الأماكن التي ينقطع فيها الناس للعزلة والعبادة وإقامة الأذكار، يطلق عليها أسماء مختلفة مثل الخانقاه والربط والتكايا والزوايا. ولا يزال في دمشق العديد من الزوايا التي تقام فيها الأذكار وتعود إلى سنوات طويلة خلت، مثل الزاوية السعدية والغواصية في الميدان والرشيدية في الميدان والشاذلية اليشرطية في القنوات وغيرها.
وعن نسبة المتصوفة بين أبناء الشعب السوري يقول د. العسكري:"لا استطيع الوصول إلى إحصائية دقيقة، لكن تقريبا يبلغ عددهم أربعين أو خمسين ألفا ليس أكثر ، جدير بالذكر أن بعض الشيوخ تراجعوا عن الطريق الصوفي، يبدو أن هناك أخذ ورد، دخول وخروج إلى هذا المضمار".
لكن على أية حال، يجمع كثيرون على أن التصوف الحالي بعيد جدا عن منابعه ونشأته، ويكاد في بعض الأحيان لا يمت له بصلة، إلا من حيث التسمية.
الطرق الصوفية:
يخبرنا د.العسكري عن مفهوم الطرق الصوفية:"يتردد في الموروث الصوفي أن عدد الطرق"طرق التصوف إلى الله"، بعدد أنفاس الخلق، وهذا يعني أننا أمام عدد لا نهائي من الطرق الصوفية مادامت التجربة الصوفية تجربة شخصية لها خصوصيتها، ولكن المتصوفة انتظموا ضمن عدد من الطرق الأم الرئيسة مثل الطريقة الرفاعية، الطريقة القادرية، الطريقة الشاذلية، الطريقة النقشبندية ...وهناك فروع لهذه الطرق تعد بالعشرات لكل طريقة.وتتميز كل واحدة عن غيرها من الطرق بانتسابها إلى شيخ معين وبارتباطها بسلسلة أو بسند صوفي خاص بها، ثم باتصالها بأحد الخلفاء الراشدين من حيث النسب الصوفي الروحي.وتختلف أيضا بالأذكار في كيفيتها وعددها وطقوسها وبموقفها من الضرب بالشيش أو غيره من الممارسات."
و التصوف في سوريا شعبوي خالص. عندما يكون التصوف نخبويا يصبح فلسفيا فكريا، فالتصوف لدينا طرقي وليس فكري. في بعض الطرق كما في الشاذلية مثلا، المريدون يحملون شهادات علمية عالية، لكن حتى تصوف هؤلاء طرقي. تصوري أن مهندسا أو صيدلانيا يسلم أمره إلىأمر شيخ أمي لا يقرا ولا يكتب، هذا التسليم المطلق كارثة.
لكن ما الذي يدفع إلى الانخراط في الطرق الصوفية والتسليم لشيوخها بهذا الشكل. يرى البعض بأن العامل الديني يلعب الدور الأكبر في مجتمع أغلبيته من الطائفة السنية التي لم تخترقها حتى وقت قريب، التيارات السلفية الوهابية. ويرى د.العسكري سببا رئيسيا آخر يتمثل في أنه"عندما لا تكون هناك تنظيمات حرفية أو سياسية أو أهلية، يجد كثيرون في هذا التنظيم"الطريقة"المرضي عنه متنفسا. في حلقة الذكر يشكو أعضاء الجماعة همومهم لبعضهم، ويتداولون في مشاكلهم، خاصة وأن الثقة بينهم كبيرة جدا، هذا الترابط بين أعضاء الجماعة- على ظلاميته أحيانا، نفتقر إليه في جميع تنظيماتنا".