أكثر الطرق الصوفية انتشارا في سوريا، النقشبندية ثم الشاذلية ثم الرفاعية والقادرية. فالنقشبندية، وهي لا تزال من أهم الطرق الصوفية، لديها فروع عديدة من أهمها فرع الشيخ كفتارو في دمشق، وهذا الفرع لديه امتداداته في المحافظات الأخرى، والنقشبندية الخزنوية موجودة في الحسكة ولها امتدادات في بقية المحافظات وخارج سوريا أيضا. والشاذلية موجودة في دمشق وحلب، والطرق الرفاعية والقادرية التي يدعي شيوخها إتيان الخوارق والكرامات لها شعبية كبيرة أيضا.
وهناك الطريقة الصوفية النسائية والمعروفة باسم"القبيسيات"نسبة إلى"الآنسة"منيرة القبيسي، وهي فرع من الطريقة النقشبندية، وموجودة في مختلف المحافظات.
وفي هذه الطريقة أكثر ما تكون مريداتها من غير المتزوجات، وقد انتشرت بداية في الأوساط المتميزة اجتماعيا واقتصاديا، لكن مؤخرا أصبحت تنتشر لدى الفئات الأخرى.
ممارسات الطرق الصوفية
بين الموالد والأذكار والمولوية وممارسة"الخوارق"، يتوزع النشاط الصوفي الظاهر في سوريا حاليا.فبعض الطرق الرفاعية والقادرية تمارس ضرب الشيش واللعب بالنار والأفاعي وضرب الجسد بالأدوات الحادة دون أن يصاب المريد بأذى، ويقول د.العسكري في ذلك"لقد شاهدت بنفسي أشياء عجيبة لا أستطيع تفسيرها إلى الآن، ولا يزال العلم عاجزا عن إيجاد تفسير لها. والسؤال هو لماذا يقوم هؤلاء بهذه الأفعال؟؟ هم يقولون، من أجل أن يؤمن الكافر، وأنا أقول، عندما يعجز المرء عن تحدي الآخر بالسلوك والعلم والمعرفة، فإنه يلجأ إلى ساحة الجسد".
وجدير بالذكر أن معظم الطرق الصوفية الأخرى، ترفض هذه الممارسات، ويقتصر نشاطها على"مجالس ذكر واعتكاف في أغلب الأحيان في المساجد، وتلك قضية إيجابية في إعادة دور المسجد إلى حياة الجماعة"! يقول د.العسكري.
لكن الأمر لا يقتصر على الممارسات العملية لما يسمى بالخوارق، فبعد جولة لنا في بعض أحياء حلب، المدينة المتصوفة بامتياز، فوجئنا بمدى شعبية أحد مشايخ الطرق والمحبة التي يحظى بها، لكننا فوجئنا أكثر لدى سؤالنا د.العسكري عن هذا الشيخ الذي وصفه بأنه"أكبر الشيوخ الخرافيين، يعتمد على التهويل ووصف جنة غريبة ونار غريبة، ومريدوه كثر لأن الشعب يحتاج إلى من ينشط له مخيلته وليس لمن يرجعه لواقعه".
الملك الصوفي..الاستلاب والخضوع
يرى د. عسكري، وتوافقه في ذلك العديد من الآراء التي استجليناها، بأن أهم ما يميز التصوف المعاصر هو"التفاف المريدين حول شيخ صوفي سواء أكان على هدى أم ضلالة، فهو باعتقادهم المرشد الديني والروحي والمخلص والوارث المحمدي، وما يثير الشجن والأسى في أغلب التصوف الممارس حاليا، بأنه على الأغلب بعيد عن الصراط الشرعي، ومنحرف بزاوية كبيرة عن أصوله وينابيعه الأولى، حتى كاد اغلبه لا يشبه في السلوك وفي الفكر ما أمر به المؤسسون وما سلكوه وفق تربية نفسية خلقية كانت خير قدوة اجتماعية، فتصوف الطرق يختلف عن التصوف الفكري. الطريقة سلوك، أما ابن عربي والحلاج فيمثلون التصوف الفكري. تصوف الطرق شعبي، وعندما يصبح التصوف شعبيا، يصبح الشيخ هو الوسيط بين العبد والرب، وهذا يعيدنا إلى الغنوص في الموروث القديم عندما يقال بالحاجة إلى الوسائط للتواصل مع الله، ونحن نعلم أنه في الإسلام الطريق مفتوح بين العبد وربه. هذه النقطة، يستغلها بعض شيوخ الصوفية حاليا بطريقة سلبية. هنا الشيخ الوسيط هو ملك صوفي مقابل الملك السياسي. الملك الصوفي يبدأ من المبايعة، والبيعة أن تسلم نفسك لمرب يقلبها كيف يشاء، هنا يوجد ظاهرة تهميش وتدمير لنفسية المريد نهائيا."
وكأن الفرد في الشرق يحتاج دائما إلى راع، فعقلية القطيع مترسخة في لا شعورنا. نجد شخصا متعلما تعليما عاليا، ومع ذلك يسلم لشيخه في كل شيء، في تعليم ابنته، في دخولها الجامعة من عدمه، في أية صغيرة وكبيرة. يقول مشايخ الصوفية، إذا كان الملك السياسي أو الحاكم يسيطر على الأبدان فنحن نسيطر على الأرواح والأبدان معا"."
ما خفي أعظم
لا تقتصر سلبيات بعض التصوف الحالي في سوريا على ما سبق، بل تمتد إلى ممارسات أخرى لا أخلاقية وفقا ل د. العسكري:"نعم السلبيات لا تقف هنا، الحقيقة ما خفي أعظم. للأسف هناك استرزاق اقتصادي عند البعض. استغلال للمريدين. للأسف أيضا هناك لا أخلاقيات عند البعض، لأن المريد يعتقد بشيخه الكمال، وأحدهم قال لي لو وجدت شيخي في فراش زوجتي لن أظن به سوءا. نحن بحاجة إلى رقابة هذا السلوك وأنا في بحثي دعيت إلى إعادة بناء الشيخ الصوفي وفق معطيات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية وسياسية ودينية وجعله تحت المجهر والمراقبة. هذا الشيخ هو قائد شعبي ، و الطاعة في الطريقة الصوفية عجيبة، والثقة عجيبة والمحبة أكثر عجبا".
خلافات على"الملك"