فهرس الكتاب

الصفحة 24224 من 27364

* بقلم: السيد محمد حسين فضل الله

إنّ قيمة الخطاب الإسلامي المعاصر - لا سيّما لدى الإسلاميين الحركيين - تتمثّل في قدرة الإسلام على أن يواجه مشاكل الإنسان المتنوِّعة بطريقة واقعيّة لا تغيب في التجريد. ونحن ندرسُ القرآن الكريم، فنرى أنّ الله سبحانه الذي علا فلا شيءَ فوقَه قد دنا إلى خلقه فلا شيءَ دونَه، وخاطبهم من خلال آياته المتناثرة في الكون في عالم الحس، ومن خلال نعمه المتحرِّكة في مفردات حياتهم لينفتحوا على الغيب من موقع الشهود وعلى الخالق من خلال مخلوقاته.

إنّ إيماننا بالغيب لا يعني ابتعادنا عن الواقع من حولنا، بل إنّه يؤكِّدهُ ويقوِّيه ويوحي إليه أ نّه لا يتحرّك في فراغ، ولا يسقط في أجواء القلق والحيرة والفراغ عندما يواجه الصعوباتِ والضغوطَ القاسية والمشاكل المعقّدة والمتاهاتِ السّحيقة لأنّه يعيش الإحساس بلطف الله ورحمته له ورعايته لحياته وإشرافه عليه من موقع الربوبيّة التي تربِّي للإنسان كلّ حياته، جسدَه وروحَه من دون أن تبعدَه عن إرادته واختياره وعن مسؤوليّاته العمليّة في بناء ذاته.

وهكذا نريد للإسلاميين أن يملأوا الخطاب الإسلامي بالله في روحانيّة الفكر وواقعيّة التحرّك من حيث أنّ الله - في كتابه - رعى الحركة الإسلامية الأُولى في خط الدعوة والحركة في انطلاقة النبيّ محمّد (ص) ، فكانت الآيات تراقب الواقع وترصده وتحاكمه وتقدِّم - في نهاية المطاف - وحي الرسالة الإسلامية - في سِلم المسلمين وحربهم - سواءً كانت فاشلة أو ناجحة، لتكتشف الصادقين والكاذبين ولتوجِّه المسيرة إلى المستقبل في شجاعة الاعتراف بالخطأ - إذا أخطأت - وبطولة تغيير اتجاه المسار - إذا انحرف.

لقد كانت قيمة القرآن - الكتاب الإلهيّ الحركيّ - أنّه انطلق في أسلوبه ليعالج الواقع الممزوج بالغيب، فلم يبتعدْ الواقعُ عن واقعيّته في إطلالته على الغيب ولم يخرجْ الغيبُ عن عالمه في الوجدان في ملامسته لقضايا الواقع، لأنّ الخطاب كان للإنسان الذي هو حيٌّ في وجوده الجسديّ، وغيبيٌّ في أسراره الروحيّة وتطلّعاته الماورائيّة.

ولهذا فلا بدّ لنا أن يبقى خطابنا الإسلامي خاضعاً لخصوصيّاته وعناصره الذاتيّة في استنطاق النفس الإنسانية في حركة الواقع، فلا يكون تجريديّاً يحلِّقُ في الخيال ولا يكون حسِّيّاً يغرق في ضباب المادّة، بل يأخذ من هذا قسماً يقترب فيه التجريد من الواقع، ومن ذلك قسماً ينفتح فيه الواقع على الغيب.

لقد أحببتُ الإشارة إلى هذه النقطة الحيويّة لأنّني رأيت أنّ هناك اتجاهين متطرِّفَين في الخطاب الإسلامي، فهناك الاتجاه الغيبيّ التجريديّ الذي يدفعُك إلى أن تعيش في عالم كلّه غيب، فلا تحسّ بوجوده على الأرض، وهناك الاتجاه المادي الذي يلاحق الواقع ليخلدَ إلى الأرض ويستغرقَ في خصوصيّاته حتّى ينسى الله في أسراره الإلهيّة التي تمنحُ الإنسان شيئاً من معنى الغيب في حركته في الحياة من خلال الإمداد الغيبيّ الذي يرعى حركته ويقوِّمُ مسيرته ويملأ روحه بالثّقة والأمل.

إنّ علينا أن نعرف أنّ الإسلام دينٌ يستمدُّ خصائصه الحيويّة وجذورَه الفكريّة من الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر في عالم الغيب في العقيدة وفي عالم الشهود في الحركة والحياة، فلا بدّ للخطاب الإسلامي من أن يجمع ذلك كلّه لنعيش إسلامنا بطريقة متوازنة في عناصره ومتحرِّكة في أبعاده وتطلّعاته.

إنّ موضوع (الشّباب والغرب) يطرح قضيّةً من أكثر القضايا حسّاسيّة ومن أكثرها واقعيّة ومن أخطرها مستقبليّاً.

لأنّ المسألة تتّصل بالشباب الذي يمثِّل الطّليعة الإنسانية التي بدأت حركة النموّ في الحياة من أجل أن تكون قاعدة الريادة والقيادة والإنتاج في المستقبل لتخلّف جيل الآباء والأجداد الذين عاشوا تجربتهم السلبيّة في حركتهم في الماضي الذي يُطلّ بكل أثقاله على الحاضر ليترك تأثيراته على صناعة المستقبل.

ولعلّ من غير الواقعيّ أن نفكِّر بأنّ الشباب يمكن أن يخضع للقوالب الجاهزة المصنوعة من قِبَلِ الجيل الذي عاصره أو سبقه، فيُغلِقَ فكره عن جديد الحياة، وروحَهُ عن تطوِّرِ الواقع، وحركتَهُ عن متغيِّرات السّاحة لأنّ الأفق الذي ينفتحُ عليه يختلف عن الآفاق التي انفتح عليها الناس من قبله، فهناك أوضاعاً جديدة فرضت نفسها على الواقع الإنساني من خلال سيطرة فكر معيّن أو قوّة كبيرة ساحقة، وهناك مشاكل معقّدة تتحدّى الكثير من قضاياه وتطلّعاته، وهناك المتاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي لايزال الإنسان المعاصر يتحرّك لاهثاً من أجل اكتشافِ الخطوط التي تَدلّهُ على اتجاه الطريق الذي يؤدِّي إلى السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت