إنَّ الحمدَ لِله نحمدهُ ونستعينهُ, ونستغفرهُ, ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا, ومن سيِّئاتِ أعمالِنا, منْ يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَ لهُ, ومنْ يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسوله، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران:102) .
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ) (النساء:1) .
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ) ) (الأحزاب:70،71) .
أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله, وخيرُ الهدي هديُ محمدٍ r وشرُّ الأمورِ مُحدثاتُها, وكل محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النار، أما بعد:
أيَّها المسلمون:
من يطالعُ أخبارَ العرب، وأحوالَ الناسِ في الجزيرةِ العربيةِ، قبل أنْ تشرقَ شمسُ الرسالةِ المحمد، وتضيءَ المعمورةَ بنورِها الساطعِ الوهاج.
فسيظلُ يعجب! ويعجب ولا ينقضي عجبُه! وهو يرى أناساً تمزقُهم الحروبُ القبلية الطاحنة، وتشتتُهم الثاراتُ الدمويةُ القاتلة, ويسودُ حياتَهم منطقُ الغابِ بأبشعِ صوره، أناسٌ يعيشونَ بلا هوية، ويَحيونَ بلا قضية, تنزفُ الدماءُ في شوارعِهم وأسواقِهم لأتفهِ الأسبابِ وأسخفِها, وحسبُكَ أنْ تعلمْ أنَّ حرباً ضروساً قد نَشِبتْ بين بكرٍ وتَغْلَبْ, ودامتْ أربعينَ سنة, إنَّها حربُ البسوس، أي واللهِ أربعينَ سنة، مخلفةً وراءَها أنهاراً من الدماء، وألوفاً من القتلى, وأضعافَهم من الجرحى والثكلى, أربعينَ سنة من النزيفِ المستمر، والجحيم المستعر، والأحقادِ المتتابعة، والسخائمِ المتراكمة, ثم تفتشُ عن السبب، وتبحثُ عن مبرراتِ القتالِ ودوافعه، فتكادُ تُجن حين تعرفُ تفاهةَ السبب وسخافَته, فما السببُ يا ترى ؟ ما السببُ في اشتعالِ الحربِ أربعينَ سنةٍ من غير توقف ؟هل هو الجهادُ في سبيل الله وإذلالِ الكفار ؟ كلا, هل هو حمايةُ الثغور ِودفعُ الصائلِ ؟ كلا، هل السبب أنَّ علجياً رومياً صفعَ امرأةً مسلمةً في عمورية ؟! كلا, إذن ما السبب ؟ إنَّ السببَ باختصار أنَّ رجلاً يقالُ له كُليب, رمى ضرعَ ناقة، نعم ضرعَ ناقة لامرأةٍ يقالُ لها: البسوسُ بِنتُ منقذ، فاختلطَ دمُها بلبنِها, فقام جساسُ بنُ مرة فقتلَ كُليباً, فنشبتْ الحرب من أجلِ ناقة, نشبتْ الحرب أربعينَ سنة، حتى ذهبَ الرجال، وثَكِلتْ الأمهات، ويُتِّم الأطفال، دموعٌ لا ترقأ, ودماءٌ لا تجفّ, وجِراحٌ لا تجدُ من يُضمدها, وجثثٌ لا تجدُ من يواريها, من أجلِ ناقة !! هذه واحدةٌ من سخافاتِ العربِ وحماقاتِهم, ومثلُها أو أسخفَ منها معركةُ داحسٍ والغبراء ، التي اشتعلتْ نيرانِها, واكفهرَّ دخانُها, لأنَّ داحساً: وهي فرسٌ لقيسِ بنِ زُهير سُبقت نعم سُبقت في رهانٍ بين قيسٍ وحذيفةَ بن بدر, فتلا ذلك قتلٌ, ثم ثأرٌ، فتنةٌ لا تنطفي, وظلمٌ لا ينتهي, لقدْ كانتْ أوضاعاً مأساويةً لا تطاق, وحياةً جهنميةً لا تُحتمل، تلك التي عاشها العربُ في جاهليتِهم, يُلخِّصها المغيرةُ بنُ شعبة وهو يخاطبُ ملكَ الفرسِ الهالك، قبيلَ معركةِ القادسيةِ بسويعات.
فيقول: أيها الملك فأمَّا ما ذكرتَ من سوءِ الحال، فما كانَ أسوأَ حالاً منَّا, وأمَّا جوعُنا فلم يكنْ يشبهُ الجوع, كنَّا نأكلُ العقاربَ والحيات ونرى ذلكَ طعامَنا، وأمَّا منازلُنا فهي ظهرُ الأرض, ولا نلبسُ إلا ما غَزَلنا من أو بارِ الإبل، وأشعارِ الغنم, دينُنا أن يقتلَ بعضُنا بعضاً, وبعضُنا يَبغي على بعض, وإنْ كانَ أحدُنا ليَدفنُ ابنتَه وهي حية كراهية أن تأكلَ من طعامهِ, هكذا يلخصُ المغيرةُ حالَهم في الجزيرة, قبل أنْ يضربَ الإسلامُ بحرارتهِ فوقَ الأرض, وقبلَ أن يمتنَّ اللهُ على عبادهِ ببعثةِ الحبيبِ المصطفى، والنبيِ المجتبى عليه أفضلُ الصلاةِ والسلام.
فتحدثُ المعجزة، وتتمُ النِقلة في فترةٍ قياسيةٍ من عمر الزمن, لا يوجدُ لها نظيرٌ في قديمٍ أو حديث, فإذا بالوحوشِِ الضارية، والسباعِ الجائعةِ، تتحولُ في أغربِ انقلابٍ عرفتهُ الإنسانية, إلى رهبانٍ في الليل فرسانٍ في النَّهار, فما أنْ يتشربَ أحدُهم معنى لا إله إلا الله، وتخالطَ شِغافَ قلبهِ، وتلامسَ شفافيةَ روحهِ، إلا وتنقلبُ حياتُه ظهراً لبطن, فَيظهرُ من روائعِ الإيمانِ واليقينِ لديه، ومن خوارقِ الصبرِ والشجاعة ما يُحيرُ العقول، ويُديمُ الدهشة، ويُطيلُ العجب .