فهرس الكتاب

الصفحة 15066 من 27364

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،،،

فإن من علامة توفيق الله لعبده المؤمن أن يرزقه اليقظة؛ فلا تراه إلا حذراً محاسباً لنفسه، خائفاً من أن يزيغ قلبه، وهذا دأبه في ليله ونهاره يفر بدينه من الفتن، ويجأر إلى ربه في دعائه يسأله الثبات، والوفاة على الإسلام والسُّنَّة، غير مبدل ولا مغير.

وإن خوف المؤمن ليشتد في أزمنة الفتن التي تموج موج البحر، والتي يرقق بعضها بعضاً، وما إخال زماننا اليوم إلا من هذه الأزمنة العصيبة التي تراكمت فيها الفتن، وتزينت للناس بلبوسها المزخرف الفاتن، ولم ينج منها إلا من ثبته الله .

وأجدها فرصة أن أتحدث عن فتنة شديدة تضغط على كثير من الناس فيضعفون أمامها، ألا وهي فتنة مسايرة الواقع، وضغط الفساد، ومسايرة العادات، ومراعاة رضا الناس وسخطهم، وهي فتنة لا يستهان بها؛ فلقد سقط فيها كثير من الناس، وضعفوا عن مقاومتها، والموفق من ثبته الله كما قال: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ... [27] } [سورة إبراهيم] . يقول ابن القيم رحمه الله: 'تحت هذه الآية كنز عظيم، من وفق لمظنته وأحسن استخراجه واقتناءه وأنفق منه فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم' [ بدائع التفسير، 3/17] .

وإذا كان الرسو صلى الله عليه وسلم قد قال له ربه:ولَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً [74] } [سورة الإسراء] . فسواه من الناس أحوج إلى التثبيت من ربه، وفي هذا تأكيد على أهمية الدعاء، وسؤال من بيده التثبيت وهو الله سبحانه.

إن فتنة مسايرة الواقع والتأثر بما عليه الناس لتشتد حتى تكون سبباً في الوقوع في الشرك الموجب للخلود في النار؛ وذلك كما هو الحال في شرك المشركين الأولين من قوم نوح، وعاد، وثمود، والذين جاءوا من بعدهم من مشركي العرب، فلقد ذكر لنا أنهم كانوا يحتجون على أنبيائهم عليهم السلام عندما دعوهم إلى التوحيد وترك الشرك بأنهم لم يسمعوا بهذا في آبائهم الأولين، وكانوا يتواصون باتباع ما وجدوا عليه آباءهم، ويحرض بعضهم بعضاً بذلك، ويثيرون نعرة الآباء والأجداد بينهم، وسجل الله عن قوم نوح عليه السلام قولهم: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [24] } [سورة المؤمنون] . وقال عن قوم هود:قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا... [70] } [سورة الأعراف] . وقال عن قوم صالح:قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُواً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا... [62] } [سورة هود] . وقال سبحانه عن قوم فرعون:قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا... [78] } [سورة يونس] . وقال عن مشركي قريش:وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا... [170] } [سورة البقرة] . والآيات في ذلك كثيرة، والمقصود التنبيه إلى أن تقليد الآباء، ومسايرة ما عليه الناس وألفوه لهو من أشد أسباب الوقوع في الكفر والشرك، وقد بين الحق للناس؛ ولكن لوجود الهوى، وشدة ضغط الواقع، وضعف المقاومة يُؤْثِرُ المخذول أن يبقى مع الناس، ولو كان يعتقد أنهم على باطل، وأن ما تركه هو الحق المبين، وإلا فما معنى إصرار أبي طالب عم الرسو صلى الله عليه وسلم على أن يموت على عقيدة عبد المطلب الشركية مع قناعته بأنمحمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله والحق معه لولا الهوى، ومسايرة ما عليه الآباء، وخوفه من مصادمتهم وتضليلهم؟! نعوذ بالله تعالى من الخذلان.

وإذا جئنا لعصرنا الحاضر، وبحثنا عن أسباب ضلال علماء الضلال، الذين زينوا للناس الشرك والخرافة، والبدع الكفرية؛ رأينا أن من أهم الأسباب: مسايرتهم للناس، وميلهم مع الدنيا ومناصبها، وظنهم أنهم بمصادمة الناس سيخسرون دنياهم وجاههم بين الناس، فآثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وسايروا الناس مع اعتقادهم ببطلان ما هم عليه.

وكذلك الحال في سائر المقلدين لهم لو بان لأحدهم الحق؛ فإنه يحتج بما عليه أغلب الناس، فيسير معهم، ويضعف عن الصمود أمام باطلهم إلا من رحم الله من عباده، الذين لا يقدِّمون على مرضاة الله شيئاً، ولا يتركون الحق لأجل الناس، ولا يسايرونهم على ما هم عليه من ضلال وفساد؛ بل يتذكرون قول الرسول صلى الله عليه وسلم [مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ] رواه الترمذي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت