د. خالد شوكات**
شكلت الزيارة التي قام بها الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى واشنطن في فبراير 2004 فرصة أخرى للمحللين السياسيين للوقوف على حقيقة ومصداقية السياسة الخارجية الأمريكية حيال الدول العربية، خصوصا فيما يتعلق بالمشروع الإصلاحي الذي كشفت عن معالمه مؤخرا مجموعة الصقور في البيت الأبيض، والذي كان يهدف -بحسب تصريحات هؤلاء- إلى تغيير الأنظمة القائمة في العالم العربي تباعا، حتى تنسجم مع قيم ومبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ حيث يقول عدد من الساسة الأمريكيين إنهم لا يرون عن الالتزام بها بديلا؛ ويزعم كثير منهم أن ذلك يمثل الشرط الوحيد لنيل الرضا والصداقة في هذا الزمن الجديد.
وكان مرد الأهمية -التي أسبغها المهتمون بالسياسة الخارجية الأمريكية على زيارة الرئيس التونسي للبيت الأبيض- عائدا بالأساس إلى كون نتائج هذه الزيارة ستمثل في الوقت نفسه نتائج الاختبار الثالث لواشنطن في المنطقة المغاربية، بالنسبة لحقيقة موقفها من الديمقراطية، بعد تبين نتائج الاختبارين الأولين اللذين خاضتهما حكومة الرئيس بوش في كل من موريتانيا وليبيا، والتي أبانت عن هوة واسعة بين أقوال واشنطن وأفعالها، وبين تصريحات ساستها المبدئية وسيرة سياستها المتجردة من المصداقية.
لقد كانت ثمة شكوك تراود بعض المحللين في أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تكون في طريقها إلى تبني سياسة خارجية أكثر مبدئية ومصداقية إزاء العالم العربي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، خصوصا في ظل بروز أكثر من صوت أمريكي قوي يؤكد على الصلة الوثيقة بين الإرهاب والأنظمة الديكتاتورية؛ باعتبار الأول نتاجا طبيعيا للبيئات الملائمة التي تفرزها أنظمة الحكم الاستبدادية والشمولية المهيمنة بشكل غالب على العالم العربي.
غير أن الصورة التي تجلت ملامحها في واشنطن إبان زيارة الرئيس بن علي لها قد أثبتت إلى حد بعيد أن السياسة الأمريكية ما تزال بعيدة عن مبدأ الإخلاص لمشاريع التحول الديمقراطي في العالم العربي، وأكثر ميلا لمواصلة السير في نهج السياسات الترقيعية القائمة على معالجة الأخطار المحدقة بالمصالح الأمريكية ضمن مدد زمنية محدودة قد لا تتجاوز غالبا مدة الولاية الرئاسية الأمريكية؛ أي أربع سنوات في أقصى تقدير.
مفهوم سطحي للإرهاب
ولعل أهم نتيجة يمكن الخروج بها من زيارة الرئيس التونسي الأخيرة للولايات المتحدة أن واشنطن ربما تكون حسمت أمرها في اتجاه تبني المفهوم السطحي للإرهاب الذي تبنته قبلها بعض الأنظمة العربية، والذي يرى ببساطة أن الإرهاب هو ذلك العنف الدموي الذي تقف الحركات والجماعات الإسلامية المتشددة وراءه، والذي بلغ ذروته مع تفجيرات 11 سبتمبر وبروز تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن على الصعيد الدولي.
إن من أبرز الأدلة بحسب المحللين على إمكانية اعتناق واشنطن لهذا المفهوم السطحي للإرهاب -الذي يتفق بشكل جلي مع بساطة تفكير الرئيس الأمريكي جورج بوش- منح الأولوية للمعالجة الأمنية والعسكرية على حساب طرق المعالجة الأخرى المقترحة من قبل دوائر أكثر اتزانا وعمقا في رؤيتها لما يتوجب فعله إستراتيجيا لحماية المصالح الأمريكية في البلدان العربية.
لقد منحت القيادة الأمريكية الرئيس بن علي وسامًا رمزيا تقديرًا لجهوده في محاربة الإرهاب وتحالفه مع واشنطن في حربها ضده، في الوقت نفسه الذي صرح فيه مسئولون أمريكيون بأن تونس لم تكن يوما مصدرًا للإرهابيين؛ وهو ما يعني وعي بعض المراكز في واشنطن بأن الحرب التونسية ضد ما وصف بأنه"إرهاب"طيلة عقد التسعينيات كانت حربا مفتعلة في حقيقتها، هدفها الأصلي تصفية خصم سياسي وإقصاؤه بشكل مبرم عن الساحة السياسية بقوة السلطة، أو ما يسميه بعض المحللين والمفكرين بـ"إرهاب الدولة".
ولعل أخطر ما في مسألة تبني واشنطن للمفهوم السطحي للإرهاب -مثلما يؤكد على ذلك عارفون بالشأن الأمريكي- ما سيستلزمه هذا التبني من ضرورة إيمان مركز القرار الأمريكي بالفكرة التي تصب جميع الحركات الإسلامية على اختلاف اتجاهاتها في قالب واحد، والزعم بأنه لا فرق داخل التيار الإسلامي بين معتدل ومتشدد، وبين مؤمن بالنضال السياسي كوسيلة لتحقيق الغايات الفكرية السامية، ومؤمن بالنضال المسلح الذي لا يفرق بين مدني وعسكري، ويعتبر الخصوم والآخرين جميعا ملة واحدة.
إن أوساطا سياسية وفكرية عديدة في المنطقة المغاربية والعربية كانت تتوقع تبني واشنطن لفهم أعمق لظاهرة الإرهاب، تقرن من خلالها بين الأفعال الإجرامية المدانة والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المفرزة لها؛ وهو ما يرتب عمليا صلة إستراتيجية قوية بين الحرب على الإرهاب ودعم التحول الديمقراطي في العالم العربي، وبين التنمية السياسية والقدرة على مقاومة أفكار الغلو والتطرف والنزعات الإرهابية.